احسان قاسم الصالحي

مترجم وسفير رسائل النور في العراق والعالم

نتيجة بحث الصور عن احسان قاسم الصالحي

حازم ناظم فاضل

بعد فراق خمسة عشر عاماً .. التقيت استاذي الفاضل احسان قاسم الصالحي في استنبول سنة 2004، وقال لي : ما كنت أظن ان نلتقي في دار الدنيا هذه ، كنت واثقاً باننا نلتقي في الآخرة .. لم أتمالك نفسي من سكب العبرات أمام هذه العبارات ..

وبعد التي واللتيا قلت له : يا أستاذنا لقد وفقك الله سبحانه وتعالى بتعريف إخواننا في مشارق الأرض ومغاربها بكليات رسائل النور وإقامة عشرات الندوات والمؤتمرات هنا وهناك في الأقطار الأوروبية والآسيوية والأفريقية واستراليا فهلا كتبت مشاهداتك ورحلاتك ومذكراتك .. فتبسم ضاحكاً: لا ..لا .. لن يكون والححت عليه فاجاب رجائي بان ارسل لي أوراقاً قليلة من رحلاته ومشاهداته في ماليزيا ومصر والمغرب .

والاستاذ إحسان قاسم مصطفى الصالحي له من الأولاد خمسة سعد وجنيد واسيد وحامد وبنتاً واحدة . ومن الأحفاد والأسباط أربعة عشرة .

وُلِدَ عام (1936) بمحلّة (المصلّى) بكركوك في جمهورية العراق من أبوين وسط عائلة معروفة ذائعة الصيت، من أسرة تعليمية محبة للعلم والعلماء والكتب ، مترعرعاً في كَنَف الأستاذ العلاّمة اللغويّ والتاريخيّ ( قاسم بك بن مصطفى بك الصالحي) – أول مدرّس للغة العربية في (ثانوية كركوك) عند تأسيسها في عقد العشرينيّات ولغاية الخمسينيّات من القرن العشرين ، حيث تخرّج من بين يديه معظم مثقّفي ( محافظة كركوك)، والذي ظلّ مرجعاً لألوف من طلاّب العلم والمعرفة باللغتين العربية والتركية وأدبائهما وشعرائهما والسابرين في أغوارهما، حتى وافاه الأجل سنة (1963).

هكذا تربى استاذنا الصالحي في رياض الكتب منذ نعومة أظفاره . وكان يقرأ الكتب العربية والتركية ويهوي الرسم والخط لذا توطدت علاقاته مع مشاهير الخطاطين أمثال الخطاط التركي حامد الآمدي والخطاط هاشم البغدادي ومهدي الجبوري ووليد الاعظمي وعلي الراوي .

أكمل استاذنا الصالحي دراسته الابتدائية والثانوية في كركوك والتحق الى كلية التربية- قسم العلوم – الفرع البايولوجي سنة 1954 ببغداد وتخرج فيها سنة 1957 . وطيلة هذه الفترة كان يجتمع مع الشيخ أمجد الزهاوي ومحمود الصواف ونجم الدين الواعظ في مجالس علمية .

أحيل على التقاعد بعد أن أمضى (27) عاماً في التدريس ، ترأس مؤسسة الأماني الإسلامية في محافظة كركوك سنة 1961 م ، هاجر الى استانبول بتركيا سنة 1992 ، مختص في الدراسات النورية .
وحالياً مدير مركز بحوث رسائل النور باستانبول .

شارك في العديد من المؤتمرات والندوات حول رسائل النور داخل تركيا وخارجها ، كمصر، المغرب، الجزائر،الأردن، سوريا، اليمن، استراليا، الفلبين، ماليزيا، الشارقة …وغيرها

 

قال عنه الاستاذ الدكتور عمار جيدل ( جامعة الجزائر ) :

(احسان قاسم الصالحي سفير رسائل النور بتفقّده أحوال الباحثين هنا وهناك ودعوتنا للمساهمة في تحليل رسائل النور أحسن سفير لتلك الرسائل، إذ رأينا فيه تجسيداً فعلياً لها).

يقول عنه الاستاذ الدكتور عشراتي سليمان(جامعة وهران / الجزائر ) في كتابه الرحلة الى بلاد النور :

(الوجه الحبيب الذي لا يسعك حيال انفلاق بسمته إلا أن تهش وتبتهج وتتجرد من كل عناء).

ويرجع تاريخ قصته مع رسائل النور إلى عام 1957، ففي العراق، كانت المرحلة تعج بالفكر الكسيح، كانت التقدمية تقترن بالإيمان بأن أصل الإنسان قرد، وأن المصير عدمي، وأن المخلوق من التراب ظهر وإلى التراب يؤول..
كانت الثقافة الإسلامية التقليدية تتلقى الضربات الموجعة، وكان الفهم المتوارث للآيات عاجزاً عن الثبات أمام المنطق الدهري، كانت ذخيرة الحرب وعدة المصاولة التي استخدمها الشيخ جمال الدين الأفغاني في رسالته (الرد على الدهريين) وما زاده عليها تلميذه الشيخ محمد عبده من تجويدات في (رسالة التوحيد) التي كتبها في مسعى منه لتثبيت القلوب قد فقدت ما كان يبدو لها من فاعلية في إفحام الملاحيد، كان مطلع القرن العشرين قد بدأ يشتط على الناس بمستحدثاته الميكانيكية والطبية والفكرية ويبلبل أرواحهم أكثر فأكثر فلم يعد في وسع كثير من مسلمات الماضي أن تصمد في وجه التحدي المادي. وما ظل المسلمون يتحاجَّوْن به من موضوعات الجبر والاختيار، قد أوجدت له الفرويدية تأويلاً حل في ضمير الأجيال محل الحقيقة المقدسة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.. وما استغرق الناس عهوداً طويلة من جدل في مسائل القضاء والقدر، جاءت الماركسية تختزل البديل عنه في قولها بالحتمية، حتمية اندحار قيم الماضي وترسُّخ قيم أخرى أساسها الجبرية التاريخية الواثقة من انتصار المستقبل على الماضي، ومن شيوع المِلْكيات، وتَحَطُّمِ البُنَى – وفي مقدمتها الدين والأسرة والعرض والملكية- التي ظل الإنسان القديم يعتد بها.
متغيرات تدفع متغيرات، وحقائق مستمدة من الدين تنهزم أمام حقائق مستمدة من الافتراض الإنساني والخيال الحسي.. في ذلك الخضم كان الإسلام يتلقى ألواناً من النَّبْزِ والاستهتار بمبادئه على يد الخصوم وعلى يد طوائف من الأبناء العاقين ممن أصابهم جرثوم الإلحاد، لم يكن في وسع الغيورين إلا أن يتداعوا إلى الصمود، وهكذا وجد استاذنا الصالحي نفسه يسير في ركاب أهل الإيمان. كانت خطب الدعاة تشده لكنه كان بطبعه البرهاني يشعر بنقص ما في دعائم ما كان يسمع من خطب وما يقرأ من أفكار مؤمنة.

 

وعن ظروف التقائه برسائل النور وطلابها يقول أستاذنا :

وقعت في يدي إحداها عام 1957 ، قرأتها فإذا أنا انبهر ، لقد رأيت مضمونها يدك حصون الداروينية ، تلك النظرية التي كان المتعالمون يتعممون بها يومئذ، وفوراً قلت لا يكون صاحب هذا الفكر إلا عبقرياً، ولأول مرة لا يشهر الإيمان سيف الحماسة في منازلة الباطل ، ولكنه يعرض الحجة ويسوق الدليل. ولبثت منذئذ أتصيد ما يمكنني تصيده من فكر وأخبار هذا العبقري.

وكنت يومها في وسط إسلامي يجمح به حماس التنظيم والأحلام المتأججة ، فلذلك لم أتمكن من فتح باب للنقاش يتوجه في الوجهة التي رسمتها تلك الرسالة..مرت السنوات وتغيرت السياسات ولبست أكثر من ثوب ولون، وكنت أسافر للمصيف إلى تركيا في كل سنة تقريبا، فكنت أحرص على أن أتعرف على بعض طلبة النور، وتمكنت فعلا من أن أستهدي إلى مدارسهم وأن أقابل بعضا منهم، كان أبرز ما يلفتني فيهم البساطة ، والتلقائية ، وربما حضرت درسا لهم فكنت استغرب إذ لا شيء كان يوحي بما كان يرتسم في ذهني عنهم ، إذ كنت أتوقع أن أرى شيئا من مظاهر الترتيبات كالتي تلتزمها الجماعات والتنظيمات، فكنت عكس ما توقعت أراهم يقرأون نصوصا من الرسائل مضمونها قرآني تمثله النورسي لها فكان ذلك يزيد من توقي أكثر إلى معرفة حقيقتهم.. وفي عام 1975 زرت إقليم ديار بكر، فصادفت شابا طبيباً نورياً كان علم بمقامي في النـزل فجاء يسأل عني، وكان أرسل زوجته إلى أهلي بالنـزل فترك لقاؤها مع الزوجة والأخت الكبيرة التي كانت بمثابة والدتي حسن الانطباع، قال فامتنعت رغم إلحاحه، وفي مناسبة أخرى دعاني مدير في سكة الحديد، فلما قصدته في مقر عمله، أدار الهاتف وسمعته يخاطب أهله قائلا : عندنا ضيوف من الأهل.. فلما نـزلنا قدموا لنا طعاما في منتهى البساطة، فزاد ذلك رغم تفاجئنا من الاقتناع بأن النوريين فصيل آخر لا يشابهه فصيل.

وعدت تلك السنة محملاً بجميع الرسائل المكتوبة بالتركية، وشرعت أقرؤها، وأفهم محتواها، في البداية استعسر عليّ الأمر، ثم ما أن تمرست حتى صرت أجني النفائس، فكنت أهرع بما أفهم من أفكار ومعاني الرسائل إلى أصحابي، فكان فضولهم يزداد هم أيضاً فيزداد تحميسهم لي لأن أقرأ وأترجم لهم ليكوِّنوا صورة عن فلسفة هذه الرسائل. وهكذا رحت أغالب ضعفي في الترجمة، لكن الناتج الذي كان يحصل لي مع الأيام كان يقوي إيماني بأنني أضع يدي على منجم أصيل من الفكر والأخلاق والمعرفة الروحية.

وتعرفت في تالي الأعوام على تلاميذ النورسي الأولين، صنغور وفرنجي وبرنجي وآخرين، فعرفت في أخلاقهم ومصداقيتهم ما فتَّحت الرسائل عينيَّ عليه من الطهر والاستقامة والتمسك بأحكام القرآن والسنة. هكذا كانت معرفتي بالنوريين.
لقد رأيت هؤلاء الإخوة من خلال زياراتي المتكررة إلى تركيا لا يتقنون العربية، بل حتى قد لا يستطيعون قراءة القرآن الكريم قراءة متقنة، لكن تصرفاتهم العجيبة وحركاتهم النشيطة وإيمانهم القوي يجعل الإنسان يستغرب من أين يستمد هؤلاء هذه القوة، فلما علمت أنها من تأثير الرسائل التي لا يلبثون مفارقتها بل يعكفون على قرائتها في كل حين، سارعت إلى ترجمتها سنة 1979، لعل العالم الإسلامي أشد حاجة إليها في هذا العصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *