أخاف أبي وأتمنى فراقه لقسوته؟!

أجاب عنها : خالد عبداللطيف

السؤال:
أبي إنسان شديد و(عصبي) وقد تعرضت لقسوته منذ الصغر.. وصرت أتخوف منه لأبعد درجة؛ لدرجة (والعياذ بالله) لو قال مثلا: لا تصلي.. أقول له: أبشر! يعني أضر بنفسي خوفا من أن أقول له: هذا الشيء لا يصلح؛ حيث إني لو قلت ذلك سيسب ويشتم.. لذلك أوافقه ولو فيما يضرني مقابل ألا أسمع الشتم والصياح؛ حتى إني أفرح كثيرا إذا كان أحدنا مسافرا.. لأني سأحس ببعض الراحة!
أريد حلا لنزع هذا الخوف.. وأن أمتلك الجرأة مع والدي في حدود الأدب.. وأفكر بأني بعد التخرج من الجامعة أرحل بعيدا عنه؛ فقد أفقدني الثقة بنفسي وجعل الناس تستغلني بسبب الخوف… فما الحل؟

 

الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبا بك أخي الكريم بين إخوانك في موقع المسلم، وشكر الله لك ثقتك وحرصك على المشاورة في أمرك.
مشكلتك أخي الفاضل تتمثل فيما يمكن أن نسميه عقدة خوف مرضية تجاه الوالد، غفر الله له ولك؛ وذلك بسبب شدته وحدته في المعاملة، وكثرة غضبه واستعماله للسب والشتم والصياح.
وهكذا مرت السنون وهذه العقدة تكبر وتنمو حتى صرت تقدّم رضاه وتجنُّب أّذاه على أي شيء حتى لو كان يضرك، ولو في الدين، كما تصف أنت!
وأقول لك أخي الكريم..
أنت شاب جامعي تجاوزت العشرين من عمرك وناهزت الرشد بإذن الله، وإني لمستبشر بقولك في ثنايا رسالتك إنك تريد أن تكون جريئا معه في حدود الأدب؛ فهذا يدل على وعي ودراية بالسبيل لحل مشكلتك، لكنك لم تبادر إليه وهو بين يديك!

واستمع أيها الأخ الحبيب للقول الفصل في شأنك مع والدك في قول المولى جل وعلا: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
ففي هاتين الآيتين من الفوائد ما يسلك بك سبيل السلامة مع والدك، ومن ذلك:

• استشعار شكر نعمة الله تعالى عليك بالوالدين؛ فمهما نالك منه من أذى حسبُك أنه سبب وجودك بإذن الله تعالى، وما بذله من خير وبذل في تنشئتك وتربيتك حتى صرت شابا تخطو نحو التخرج وبدء حياتك العملية.

• احتساب الأجر وفضل الصبر على أذى والدك لدى المولى سبحانه، ودفع مرارة ما تلقاه منه بحلاوة الإيمان وطلب رضوان الله تعالى، فمن أحق بصبرك واحتمالك من والديك.. وقد قرن الله تعالى حقهما بحقه، وشكرهما بشكره؟!

• عدم طاعة والدك في معصية الله جل وعلا، ولكن بكل أدب وحسن خلق ومصاحبة بالمعروف، وهو ما أشرت أنت بنفسك له حين ذكرت أنك تريد الجرأة معه في حدود الأدب؛ فلله درك أخي المبارك..!

هذا سبيلك أيها المبارك.. استشعار فضل والدك بعد فضل الله؛ ليهون عليك ويسهل الصبر على أذاه، واستحضار عظم الأجر من المولى سبحانه في ذلك، اللهم إلا أن يأمرك بمعصية أو ينهاك عن فريضة؛ فلا سمع ولا طاعة، ولكن بأدب جم وصحبة بالمعروف.
واعلم أخي أن لزومك حسن الخلق والأدب مع والدك سيترك أثره مع مرور الوقت، ويبقى أجره ذخرا لك يوم الحساب؛ فماذا تريد أعظم من ذلك؟!

ولا يفوتني في الختام أن أهدي إليك ثلاث وصايا:
الأولى: الاستغراق في التحصيل العلمي وطلب التفوق في دراستك؛ والتشاغل بذلك عن الأفكار والوساوس والهواجس التي تقلقك بسبب هذه المشكلة.

والثانية: استشارة طبيب نفسي أمين في تحوّل الرهبة من والدك لعقدة خوف مرضي؛ فستجد عنده بعون الله ما يفيدك ويعينك من الوصايا والإرشادات والعلاج.

والثالثة وهي مفتاح الخير كله: لزوم الدعاء لوالدك أن يفتح الله عليه بالخير وحسن الخلق والألفة بينكما.

سدد الله خطاك وأصلح لك شأنك كله، وألّف بينك وبين والدك بكل خير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *