المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التركي الذي رباه الاسلام وكرمه الزمان (أ.د. بكري شيخ أمين)


سامي
09-23-2009, 08:22 AM
التركي الذي رباه الاسلام وكرمه الزمان
http://t1.gstatic.com/images?q=tbn:HDhFsNk0Wd3YYM:http://www.echoroukonline.com/ara/thumbnail.php%3Ffile%3Dculture/said_nourssi_241453595.jpg%26size%3Darticle_medium (http://images.google.co.uk/imgres?imgurl=http://www.echoroukonline.com/ara/thumbnail.php%3Ffile%3Dculture/said_nourssi_241453595.jpg%26size%3Darticle_medium&imgrefurl=http://www.echoroukonline.com/ara/din_wa_donia/40206.html&usg=__5k7dAS6eDPQbqn7BJGHYZWH5q_w=&h=250&w=300&sz=12&hl=en&start=13&um=1&tbnid=HDhFsNk0Wd3YYM:&tbnh=97&tbnw=116&prev=/images%3Fq%3D%25D8%25B3%25D8%25B9%25D9%258A%25D8%2 5AF%2B%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2586%25D9%2588%25D 8%25B1%25D8%25B3%25D9%258A%26hl%3Den%26rlz%3D1T4GG LL_en-GBGB323GB324%26sa%3DX%26um%3D1)


بقلم: أ.د. بكري شيخ أمين


بينما كنت أطالع في الإنترنت وقعت عيني على هذا المقال ألذي أخذ بلـبي، وشدنـي إليه.. وجذبـني.. وأثار فـي نفسي ذكريات المسلمين الأولين، والصحابة، وعلماء المسلمين من السلف الصالحين.
حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة.. وكان يـحفظ (۸٠) كتاباً من أمهات الكتب العربية.
هناك رجال تسمع قصصهم، فتشمـئـز نفسك منهم، وان لـم تعرفهم عن قرب، لضآلة أذهانـهم، وحقارة قيمهم التي عاشوا بـها، وعليها. و هناك رجال تسمع قصصهم، فتمتلئ نفسك حبّا وإعجابا بـهم، واجلالاً لهم، وتتمنى أن لو كنت عايشتهم، أو عاصرتهم، أو حظيت بشرف معرفتهم، والالتقاء بـهم.
من هؤلاء الرجال العظماء: بديع الزمان سعيد النورسي، العالم الجليل، والانسان العظيم، وأحد هؤلاء العظماء الذين سحرتني شخصيتهم، وبطولاتـهم، بل أقول: كل تفاصل حياته العظيمة.. لذلك بقيت.. وستبقى ذكراه خالدة في النفوس... لأن سير العظماء – مهما حاول الصغار طمسها – فالأيام تنفض عنها دائماً غبار الإهمال المتعمَّد، لتبقى خالدة إلى أبد الزمان.
رحلة هذا الرجل امتدت من سنة 1877 – تاريخ مولده – وانتهت بوفاته سنة 1960.. وهي مرحلة شهد فيها العالم بشكل عامٍ، أحداثًا جثامًا، ظهرت آثارها كذلك على كل الدول الإسلامية، بما فيها تركيا، راعية الخلافة الإسلامية سابقًا.
كان هذا الرجل فردًا، لكنه كان يملك عظيمة أمة كاملة.. ولا غرابة في ذالك، فقد نشأ في بيئة تقية، صالحة.. فأمه كانت امرأة ورعة، أُثر عنها أنها كانت لا ترضع أولادها الحليب إلا على طهارةٍ. وأبوه رجل تقي... بلغ من ورعه أنه كان يربط على أفواه ماشيته، إذا قفل راجعا بـها من مرعاها، حتى لا تأكل من أرض الغير.. كما كان أخوه إمامًا، ومعلمًا... فنشأ سعيد الولد نابـهًا ذكيًا، ظهرت عليه آثر النباهة.. من سرعة حفظه، ورغبته الدائمة في البحث والاطلاع.
لهذا استطاع أن يحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة.. وما إن بلغ الرابعة عشر من عمره حتى حصل على شهادة الإجازة العلمية.. و قيل إنه كان يـحفظ (۸٠) كتاباً من أمهات الكتب العربية. ولم يشمل تحصيله العلمية العلوم الشرعية... من فقه، وحديث، وتفسير فقط.. بل اهتم كذلك بتحصيل العلوم الطبيعية، والكونية، والعقلية، والفلسفة الحديثة، والرياضيات، والفلك، والكيمياء، والفيزياء، والتاريخ، والجغرافيا.. حتى أصبح يناظر أهلها بشأنـها. لا أريد أن أسرد سيرة حياة هذا الرجل، لكن أريد أن أقف على بعض النقط المضيئة فيها، لأننا أحوج ما نكون أن نتعلم من أمثال هؤلاء العلماء الذين رحلوا، وبقيت مبادئهم حيةً من بعدهم.
سعيد النورسي، العالم، والانسان، أدرك أن دوره في الحياة أن يتفاعل مع كل مجريات الأحداث، والأشخاص، المحيطين به كذلك. انه لم يختر أن تكون حياته رهينةً في أماكن الخلوات والعزلة، ولا شاء أن يعيش مكتسبًا بعلمه وثقافته الواسعة عند أبواب الحكام وأصحاب النفوذ.. بل اختار سبيل العلماء المخلصين، الذين فهموا حقيقة الأمانة التي يحملونـها.. فتوجه بكل قوة إلى مراكز القرار.. لرفع شبح الجهل عن أمته، ووقف أمام السلطان عبد الحميد آنذاك لتحقيق مشروع رائد، تمثل في إنشاء جامعة إسلامية بتركيا.. على غرار جامعة الأزهر، لتدرس فيها كل علوم الشريعة، وإلى جانبها العلوم الحديثة.. بل كرر المحاولة مرة بعد مرة.. وظل على إصراره رغم كل العقبات التي اعترضت سبيله، وواجهت مبادرته.
لقد أدرك الرجل أن رفع الجهل هو أول خطوات التمكين للحق، والعدل، والإيمان الحقيقي.. ولقد حاول مناوئوه إغرائه بالمال تارةً، وإنذاره تارةً أخرى من عواقب غضب السلطان عليه، فلم يتنازل بديع الزمان عن مبادئه وثوابته.. فقد قال بكل صلابة:
(اعملوا ما شئتم، فإن أعني ما أقول... إنني أريد أن أوقظ أبناء الأمة، ولا أقوم بهذا العمل إلا لأنني فرد من أبناء هذا البلد، لا لأقتطف من ورائه مرتبًا... فخدمة رجل مثلي للدولة لا تكون إلا بإسداء النصائح.. وهذه لا تتم إلا بحسن تأثيرها، كما لا تتم إلا بترك المصالح الشخصية.)
وعندما تقرأ سيرة هذا الرجل يُخَيّلُ إليك – لا محالة – أن كل أنواع المصائب والمحن قد صادفته، أو بالأحرى صادفها هو.. لأن عزيمته الحديدة وإيمانه الذي لا يلين.. جعله عرضة لكل شديدة من شدائد الحياة.
ذاق سعيد مرارة الأسر في السجون الروسية.. وتعرض للملاحقة والمضايقات.. ونفي في إحدى القرى التركية – قرية بارلا – لمدة تزيد على ثماني سنوات.. وتعرض للإغراء بالمناصب والأموال.. ومع ذلك ظل صابرًا ثابت كالجبل الشامخ، لا تحركه الرياح، مهما كانت عاتيةً.
ولم يدفعه حنقه على هؤلاء الذين عارضوه إلى الثأر لنفسه، فقد عرض عليه أحد أصحابه دعم ثورته.. لكنه رفض رفضا قاطعاً.. وكانت حجته: أنه لا يريد أن يسفك مسلم دم أخيه المسلم، ولو كان خلاف رأيه ومبادئه.
ولم تَـخْـبُ قريحة الرجل في العطاء، بل استغل سنوات نفيه، أو سجنه للدعوة، أو للتأليف.. حتى كانت أغلب كتبه ورسائله من ثمرات السجون، أو المنافي.. فأي عزيمة هاته؟ وأي عطاءٍ أعظم؟
سعيد النورسي.. على رفعة مكانته، وعلو شأنه، كان شديد التواضع في كل شيءٍ. كان متواضعًا في نفسه، لا يرى لها أي فضلٍ، بل أثر عنه أنه لما أطلق سراحه من منفاه كان تلاميذه ومحبوه يأتون لزيارته.. فيقول لهم: (كل رسالة من رسائل النور تطالعونها، وتستفيدون منها.. هي أفضل من مقابلتي، ومواجهتي بعشرة أضعاف).
و كان متواضعًا كذلك في عيشه، بل يكتفي بوجبتين في اليوم، وطعام متواضع، لا يزيد على كسرة خبز، وشيئ من الحساء.. ليخصص الجزء الأعظم من راتبه لطباعة كتبه و رسائله، وتوزيعها بالمجان.
إنه رجلٌ تعلق قلبه بالإيمان الصادق، وطلب الآخرة، حتى إنه كان يصرح دائمًا: (إنني فقط بحاجةٍ إلى جواز سفرٍ للآخرة، وأنه لا أستطيع أن أعمل ما يخالف عقيدتي وإيماني..)
والخلاصة.. كان الرجل عظيمًا في حياته و عظيمًا في موته.. لقد خاف أعداؤه منه ميةً.. فعمدوا إلى دفن جثمانه في جهة غير معلومةٍ.. كيلا يكون أثره شبحًا يطارد الذين أساؤوا إليه خلال حياته المشرقة بالأنوار الساطعات.