سامي
12-30-2009, 06:05 PM
خواطر في الموت ومابعده
الاستاذ عابدين رشيد احمد
ماذا يقول لنا الموت فيما يقول ؟!
نعم . انه يقول : اعلم أيها الإنسان المبتلى والممتحن ، كما أنك جئت إلى الدنيا بغير إرادتك ومشورتك ؛ فكذلك ستخرج منها بغير إرادتك ومشورتك .
ويقول كذلك :
انك – مهما توهمت أنك تملك فيما تملك – فلستَ تملك شيئاً حقاً وأصلاً .
وها انتذا تخرج كما دخلت من غير أن تصحب معك قطميراً ولا فتيلاً .
أرأيت أيها المخلوق المغفّل المغرور ؛ كيف تخرج من الدنيا الجميلة الحبيبة ، وتترك وراءك كل ما كنت تتوهم أنك تملكه حق التملك ؛ بل لقد كان عندك وديعة وفتنة ليس إلاّ !
وها أنت اليوم لا تحمل معك إلى قبرك فلساً واحداً ولا ذرّة من متاع ما عدا قطعة من كفن بسيط وغير مخيط وذلك إكراماً لإنسانيتك لا غير .
فهذا هو أنت في بعض حقيقتك ؛ لو عرفت وفهمت وأدركت والتزمت .
وبعد :
فما أنت أنت إلاّ بإيمانك الحق وأعمالك الصالحات وأخلاقك الطيّبة يا ابن النبيّ الأول عليه السلام ويا متّبع النبيّ الآخر عليه الصلاة والسلام !
فهل تذكّرت ووعيت ؟ ألَم تسمع الحكمة الصحابية الخالدة من فم الزمان المعلم الأكبر للإنسان ( كفى بالموت واعظاً ) ؟؟
***
ما من حيٍّ في الأرض إلاّ وعليه حتماً مقضياً أن يلج ويطأطأ رأسه لدى هذا الباب .. باب المقبرة ، ليصل من هناك إلى عالم البرزخ العظيم – عالم صالة انتظار المسافرين القادمين من بلاد الدنيا ، ليذهبوا عبر دهاليزه إلى معرض يوم القيامة الأكبر ومنه – بعد فينة – إلى عالم له بداية وليس له انتهاء ولا نهاية .. فتلك هي هي الحياة الفردوسية الخالدة لمَن هداه الله ووفّقه ؛ فعرف وآمن وصدّق وأطاع ، وعمل عملاً صالحاً مبدعاً مرضياً !
والخيبة والخسران لمَن ضلّ وشقي وسُحِب بالنواصي والأقدام إلى ألعن النار نار جهنم فبئس المأوى وبئس المصير .
***
ما أسرع ما يموت بعض الناس !
وما أبطأ ما يموت بعضهم !
وهما كلاهما معاً محكومان بالرحيل العاجل ، وهما معاً فانيان يمتطيان متن زورق الأجل وهو يجري بهما كالسيل الجارف ينحدر نحو مساقط الشلالات .
***
انظر إلى المقابر نظرة مسح عامة ، فماذا ترى ؟! ألاَ ترى كأن القبور أسراب زوارق تمخر في عباب أوقيانوس الموت الحالك البهيم وهي تتسابق بانسياب وانزلاق نحو الأبدية المسرمدة .
أجل ألاَ تراها وهي تتجه نحو تلك الديار الخالدة ، سراعاً بلا أشرعة ولا مجاديف ، تسيرها ريح الفناء العاصف ؟!
***
يا لهذه الحقيقة الرهيبة المنسية المغفول عنها ! وهي :
أن الإنسان كل إنسان ؛ معرّض في أيّما لحظة وفي أيّما مكان للرحيل والطيران فوراً وبلا توصية ولا استئذان ، فيظهر أمامه فجأة جند أشدّاء غلاظ ، ولو كان محاطاً كالسوار بأقوى حراسة وأوعى حماية من لدن جنده هو وأنصاره هو بل حتى ولو كان في أحصن قلاع وأمنع بروج .
فتأخذ بيده « مفرزة » إلهية سماوية من ملائكة ربه الملك الجبار الغلاّب فينقلونه في لحظات من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة ، ولا يخفى على أحد أن ما بين العالمين آلاف من السنين الضوئية بل وربما ملايينها !
فيا لغفلة هذا المخلوق !
ويا لقسوة قلب هذا الإنسان !
فمتى يعي ويفهم ؟ ومتى يستعد ويتحضّر ؟ بل ومتى يفكر ويتصور ؟ قبل أن يؤخذ على غرّة ، على حين غفلة ، أخذ عزيز مقتدر ؟ فعندها لا ينفعه شيء ، لا في الأرض ولا في السماء إلاّ بإذن الله ، بل وسيمضي وحده فريداً ، ذليلاً خائفاً حزيناً ، عبر رحلة طويلة طويلة ، مخيفة خطيرة موحشة ، لا يمكن أن يصاحبه أحد غير إيمانه وعمله الصالح فقط .
فوا ويل مَن يواصل رحلته هذه العجيبة الرعيبة بلا إيمان ولا عمل !
ويا كرامة مَن يكون معه هذان المرافقان الصديقان الحميمان الأمينان حتى نهاية الشوط!!
***
كلما تذكرتُ الموت والبلى وتوقعتُ موتي وتخيلتُ ساعة وداعي الأخير من الدنيا الحلوة الخضرة ، اهتزت أعمدة كياني كلها ، وارتجت أوراق خلايا جسمي بأجمعها ، وقفَّ شعر رأسي بأسره ؛ خوفاً وهلعاً من جلال الموت الرهيب وسرّه العجيب الغريب . ثم لا ألبث أن أعود فأقول لنفسي :
يا جاهلة ، يا حمقاء ، يا ضعيفة ، يا رعديدة !
اعلمي وتيقني وتأملي وتذكري ؛ أن رباَ رحيماً كريماً عليماً حكيماً الذي خلقك من لا شيء .. من العدم المطلق ، ثم رعاك وربّاك في بطن أمك شهوراً ، ثم أخرجك ، وتعهدك لحظة بلحظة سنين ، وأعطاك – بعد ذلك – من كل شيء للحياة ما تعيشين به عيشاً ، وتقضين فيها أحسن ما تتصورين .. لقادر كل القدرة أن يبدل إذن مكاناً خيراً من مكانك الآن ، وأن يعطيك أجهزة متقنة متطورة متقدمة خيراً مما كنت تملكين اليوم ، وأن يمنحك بفضله حياة أحلى وأجمل وأقوم وأبقى مما أنت فيه اللحظة وأنت حيّة ترزقين .
فلماذا هذا الهلع والفزع ؟
ولماذا هذا الارتعاش والارتجاف ؟
إلاّ اللهم إن كنتِ تخافين من ذنوبك وتقصيرك ومن آثامك ومعاصيك ..
وعندها ؛ فخفي إذن كل الخوف بل الخوف كله ، وارتعدي إذن كل الارتعاد بل الارتعاد كله ، ملء الكون كله . بل وحقّ لكِ عندئذ فقط وليس لسبب آخر ؛ فالحساب طويل والموقف خجيل والمصير خطير وأنت وحيد فريد بلا أخ ولا خليل .
***
الاستاذ عابدين رشيد احمد
ماذا يقول لنا الموت فيما يقول ؟!
نعم . انه يقول : اعلم أيها الإنسان المبتلى والممتحن ، كما أنك جئت إلى الدنيا بغير إرادتك ومشورتك ؛ فكذلك ستخرج منها بغير إرادتك ومشورتك .
ويقول كذلك :
انك – مهما توهمت أنك تملك فيما تملك – فلستَ تملك شيئاً حقاً وأصلاً .
وها انتذا تخرج كما دخلت من غير أن تصحب معك قطميراً ولا فتيلاً .
أرأيت أيها المخلوق المغفّل المغرور ؛ كيف تخرج من الدنيا الجميلة الحبيبة ، وتترك وراءك كل ما كنت تتوهم أنك تملكه حق التملك ؛ بل لقد كان عندك وديعة وفتنة ليس إلاّ !
وها أنت اليوم لا تحمل معك إلى قبرك فلساً واحداً ولا ذرّة من متاع ما عدا قطعة من كفن بسيط وغير مخيط وذلك إكراماً لإنسانيتك لا غير .
فهذا هو أنت في بعض حقيقتك ؛ لو عرفت وفهمت وأدركت والتزمت .
وبعد :
فما أنت أنت إلاّ بإيمانك الحق وأعمالك الصالحات وأخلاقك الطيّبة يا ابن النبيّ الأول عليه السلام ويا متّبع النبيّ الآخر عليه الصلاة والسلام !
فهل تذكّرت ووعيت ؟ ألَم تسمع الحكمة الصحابية الخالدة من فم الزمان المعلم الأكبر للإنسان ( كفى بالموت واعظاً ) ؟؟
***
ما من حيٍّ في الأرض إلاّ وعليه حتماً مقضياً أن يلج ويطأطأ رأسه لدى هذا الباب .. باب المقبرة ، ليصل من هناك إلى عالم البرزخ العظيم – عالم صالة انتظار المسافرين القادمين من بلاد الدنيا ، ليذهبوا عبر دهاليزه إلى معرض يوم القيامة الأكبر ومنه – بعد فينة – إلى عالم له بداية وليس له انتهاء ولا نهاية .. فتلك هي هي الحياة الفردوسية الخالدة لمَن هداه الله ووفّقه ؛ فعرف وآمن وصدّق وأطاع ، وعمل عملاً صالحاً مبدعاً مرضياً !
والخيبة والخسران لمَن ضلّ وشقي وسُحِب بالنواصي والأقدام إلى ألعن النار نار جهنم فبئس المأوى وبئس المصير .
***
ما أسرع ما يموت بعض الناس !
وما أبطأ ما يموت بعضهم !
وهما كلاهما معاً محكومان بالرحيل العاجل ، وهما معاً فانيان يمتطيان متن زورق الأجل وهو يجري بهما كالسيل الجارف ينحدر نحو مساقط الشلالات .
***
انظر إلى المقابر نظرة مسح عامة ، فماذا ترى ؟! ألاَ ترى كأن القبور أسراب زوارق تمخر في عباب أوقيانوس الموت الحالك البهيم وهي تتسابق بانسياب وانزلاق نحو الأبدية المسرمدة .
أجل ألاَ تراها وهي تتجه نحو تلك الديار الخالدة ، سراعاً بلا أشرعة ولا مجاديف ، تسيرها ريح الفناء العاصف ؟!
***
يا لهذه الحقيقة الرهيبة المنسية المغفول عنها ! وهي :
أن الإنسان كل إنسان ؛ معرّض في أيّما لحظة وفي أيّما مكان للرحيل والطيران فوراً وبلا توصية ولا استئذان ، فيظهر أمامه فجأة جند أشدّاء غلاظ ، ولو كان محاطاً كالسوار بأقوى حراسة وأوعى حماية من لدن جنده هو وأنصاره هو بل حتى ولو كان في أحصن قلاع وأمنع بروج .
فتأخذ بيده « مفرزة » إلهية سماوية من ملائكة ربه الملك الجبار الغلاّب فينقلونه في لحظات من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة ، ولا يخفى على أحد أن ما بين العالمين آلاف من السنين الضوئية بل وربما ملايينها !
فيا لغفلة هذا المخلوق !
ويا لقسوة قلب هذا الإنسان !
فمتى يعي ويفهم ؟ ومتى يستعد ويتحضّر ؟ بل ومتى يفكر ويتصور ؟ قبل أن يؤخذ على غرّة ، على حين غفلة ، أخذ عزيز مقتدر ؟ فعندها لا ينفعه شيء ، لا في الأرض ولا في السماء إلاّ بإذن الله ، بل وسيمضي وحده فريداً ، ذليلاً خائفاً حزيناً ، عبر رحلة طويلة طويلة ، مخيفة خطيرة موحشة ، لا يمكن أن يصاحبه أحد غير إيمانه وعمله الصالح فقط .
فوا ويل مَن يواصل رحلته هذه العجيبة الرعيبة بلا إيمان ولا عمل !
ويا كرامة مَن يكون معه هذان المرافقان الصديقان الحميمان الأمينان حتى نهاية الشوط!!
***
كلما تذكرتُ الموت والبلى وتوقعتُ موتي وتخيلتُ ساعة وداعي الأخير من الدنيا الحلوة الخضرة ، اهتزت أعمدة كياني كلها ، وارتجت أوراق خلايا جسمي بأجمعها ، وقفَّ شعر رأسي بأسره ؛ خوفاً وهلعاً من جلال الموت الرهيب وسرّه العجيب الغريب . ثم لا ألبث أن أعود فأقول لنفسي :
يا جاهلة ، يا حمقاء ، يا ضعيفة ، يا رعديدة !
اعلمي وتيقني وتأملي وتذكري ؛ أن رباَ رحيماً كريماً عليماً حكيماً الذي خلقك من لا شيء .. من العدم المطلق ، ثم رعاك وربّاك في بطن أمك شهوراً ، ثم أخرجك ، وتعهدك لحظة بلحظة سنين ، وأعطاك – بعد ذلك – من كل شيء للحياة ما تعيشين به عيشاً ، وتقضين فيها أحسن ما تتصورين .. لقادر كل القدرة أن يبدل إذن مكاناً خيراً من مكانك الآن ، وأن يعطيك أجهزة متقنة متطورة متقدمة خيراً مما كنت تملكين اليوم ، وأن يمنحك بفضله حياة أحلى وأجمل وأقوم وأبقى مما أنت فيه اللحظة وأنت حيّة ترزقين .
فلماذا هذا الهلع والفزع ؟
ولماذا هذا الارتعاش والارتجاف ؟
إلاّ اللهم إن كنتِ تخافين من ذنوبك وتقصيرك ومن آثامك ومعاصيك ..
وعندها ؛ فخفي إذن كل الخوف بل الخوف كله ، وارتعدي إذن كل الارتعاد بل الارتعاد كله ، ملء الكون كله . بل وحقّ لكِ عندئذ فقط وليس لسبب آخر ؛ فالحساب طويل والموقف خجيل والمصير خطير وأنت وحيد فريد بلا أخ ولا خليل .
***