المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خواطر في الموت وما بعده (14) الاستاذ عابدين رشيد


سامي
02-11-2010, 04:49 PM
خواطر في الموت وما بعده
الاستاذ عابدين رشيد احمد
·
ترى ، لماذا أخفى الله البارئ الحكيم عزّ وجلّ ، الأجَل المحتوم عنا ؟!
أجل . إنما أخفاه عنا لحِكَم بالغة كثيرة ، ولربما منها – والله أعلم – :
أنه أراد تبارك وتعالى أن يظل العبد دائماً على اليقظة والحذر والأهبة والاستعداد في أية لحظة للرحيل والأفول من أفق هذا العالم الصغير .
وبذلك يضمن لنا بل ويحثنا بأعلى درجات الوعي والمعرفة على صحة وصوابية الإيمان والعمل بروح السباق الفائق مع الزمن ، مع العمر ، مع الحياة ؛ فالموت المفاجئ المباغت حافز قويّ للمسابقة الجادة والمنافسة الشريفة ابتغاء الحصول على أكبر الغنائم ، والنيل بأغلى المكافآت والكسب بأندر الجوائز الكونية النادرة في عالم عوالم الوجود بحقائق الخلود وأنواره وأعرائسه .


***



رأى فتىً من فتيان العصر ، شيخاً مسنّاً جالساً يبكي كالطفل .

فقال له الفتى : يا عمّ . ما الذي يبكيك ؟
قال والدموع تنحدر من على خدّيه : كيف لا أبكي ؟! ولقد بلغت اليوم عامي «الستين» من عمري الشقي أو السعيد ؛ لا أدري !
ففكرت وقلت في نفسي : لو افترضنا أنني كنت ارتكب كل سنة ذنباً أو خطيئة فكم أنا اليوم أحمل من الذنوب والخطايا ؟!
قال الفتى : ستون ذنباً .
فقال الشيخ : إذن أنا اليوم مطالَب ومحاسَب على الأقل بستين جرماً حسب قوانين يوم القيامة ، يوم الحساب الأكبر والأخطر !
فإذا كانت عقوبة كل جرم من تلك الجرائم بمعدل عشر سنوات حكماً وقضاء ، فهذا يعني أنني يجب أن أعذّب حرقاً في طوفان نار جهنم ستمئة سنة كاملة جزاءً وفاقاً .
نعم يا بني عليَّ أن أدخل النار .. نار الله الموقدة الكبرى ستمئة سنة . هل تتصور ؟ هل تفهم ؟ ألاَ يجب أن أبكي على حالي ، على ذلك المصير ؟! .
بل ألاَ يستحق المرء أن يستجير ربه العفو الكريم الغفور من ذنوبه وآثامه ، من خطاياه ومعاصيه قبل أن تحل تلك الكارثة ؟ بل وهل يطيق الإنسان ساعة واحدة في العذاب الأليم الشديد حتى يطيق تلك القرون المتطاولة في أفران الجحيم والسقر والسعير؟
يا ويلاه !
وا عاراه !
وابؤساه !
فمضى الفتى وهو يردد : غفرانك يا رب غفرانك ! وتركه على حاله لم يدر كيف يواسيه وماذا يقول له ؟! .


***

·
إن الذين يبدون مظاهر ضخمة عن التعزية بمناسبة وفاة أحد أعزائهم فإنهم يسجلون على أنفسهم مدى غفلتهم الهائلة عن الموت ويثبتون جهلهم بحقيقة الموت بل وجهلهم المركب بالحياة كذلك .
فالموت كالحياة سنّة من سنن الله في خلقه ، يودّع اليوم بمثل ما استقبل بالأمس من مقدار موزون من الفرح والحزن .. وما بعد الحياة ألزم للتفكير والاستعداد له لأبديته وخطورته سواء بسواء ؛ فليس الموت نهاية بل هو بداية جديدة وميلاد آخر .


***


·
جاء بغتة ؛ طائر سماوي من وراء ستائر الغيب ، وأحضر فرساً كشبيه « البراق » يجره من لجامه ، فوقف عنده وأركبه على ظهره وطار به بأسرع من لمح البصر إلى آفاق السماوات بين اغماضة عين وافتتاحها ، ليتشرف بين يدي رب الآزال والآباد في لقاء خاطف وحوار طارف ثم ليعود إلى ما نشأ منه أول مرة منغرساً تحت ثراه كالبذرة النائمة الموضوعة تحت التراب لتصحو بعد حين على صدى إيقاعات نفخة اسرافيل كالنبتة الهيفاء على نفخة صور الربيع استعداداً لدخول مملكة السعادة الأبدية الخالدة أو مملكة الشقاء الأبدي الخالد .. وليس لفتح باب مملكة السعادة الخالدة من سبيل سوى الإيمان الحق ومفتاح مفاتيح هذا الإيمان هو « لاَ إله إلاّ الله محمد رسول الله » . فمَن شاء فليتقدم ، ومَن شاء فليتأخر ، ولا يضرّن أحد – إذا رفض – إلاّ نفسه ولا ينفعن أحد – إذا استجاب – إلاّ نفسه كذلك .
والله غني عن العالمين .


***



·
عتاب قبر
تكلّم قبر ، تحدث ذات يوم ، ونادى صاحبه النزيل عنده برقيق الكلام ولطيف العقاب قائلاً :
لِمَ لا تزرني يا صاحبي بين حين وحين على الأقل ؟ ألستُ مأواك ومسكنك ومثواك ؟ ألستُ مهدك وكهفك ولحدك ؟
ألستُ – مهما نأيت عني ونسيتني وأعرضت عني – ستجمح إلى قراري بأسرع من لمح البرق أو لمح بالبصر ؟!
فإذن ألاَ وقفتَ يوماً لحظات وتأملتَ في مصيرك القريب غداً ؟
ألَم ترَ مَن سبقوك ؟ أين ساروا ؟ وأين وصلوا ؟ لماذا تتجاهل ؟ وتتهارب ؟ وهل ينفعك ذلك من شيء ؟
أليس الوقوف بشجاعة وإيمان على حافتي وتنظر اليَّ بعينيك الحادتين وتفكر في حالك بعد نزولك عندي وحيداً ، فريداً ، بلا مال ولا أهل ولا عشيرة ولا منصب ولا مكانة ولا ظهر .. ولا .. ولا .. ولا ؟
ثم أليس من العقل أن تهيئ لنفسك منزلاً أنظف وأجمل وأشمل ؟
أليس من الإيمان أن تُعِدَّ لنفسك لا لغيرك روضة من رياض الجنة قبل أن أكون لك حفرة من حفر النار ؟
ألَم يخبروك بوحشتي ؟ ألَم يتحدثونك عن ديداني وحشراتي وهوامي ؟
ألَم تعرف حتى الآن قسوة ظلمتي وضيق شقّي ، وهو غربتي ؟
فماذا تنتظر بعد اليوم ؛ وقد عشت عمراً ؟!
أتريد أن أفاجئك بكل مخوف ومحزن ومؤلم ؟
لا أيها الإنسان الفاني .
لا أيها النازل ضيفاً في داري وفنائي ؟!
لا . لا يليق بك هذا وأنت اكرم المخلوقات .
لا . لا يليق بك وأنت خليفة الله في أرضه .
لا . لا يليق ولا يصح لك أن تتولّى عني وتتجافاني ، بينما مكوثك عندي في بطني أكثر بكثير من مكوثك في الدنيا على ظهري بآلاف ضعف .
ربما تعيش في الدنيا مئة سنة ، وربما تعيش في نعيم قصر ، وربما تعيش في وسط حراس شداد ، وربما تعيش أكثر الناس أمناً وأماناً .. ولكنك حالما تتشرفني فلن تجد نفسك إلاّ وأنت تعيش آلاف السنين .
وتعيش في خرائب جثث فأكوام عظام ، وتعيش مباحاً مسلوباً تأكلك اضعف مخلوقات الله وتقطعك إرباً إرباً ..
وتعيش أشد الناس رعباً وفزعاً وهلعاً . فلا من سامع يسمعك ، ولا من منجد ينجدك، ولا من رفيق أو صاحب يؤنسك ويواسيك أو يذهب عنك همومك فأنت وحدك في الطريق وأنت وحدك في المسير . إذا صرختَ فلا يسمعك غير ملائكة العذاب بسياطها وأطواقها . وإذا استغثتَ فلا يغيثك غير الحيّات والعقارب بلدغاتها وسمومها ، وإذا طلبتَ أنيساً فلا يلبّيك غير أصداء لحدك ومن ثم فلا تسمع غير صوتك يرجع جدران قبرك المضغوط المضموم .
أفلاَ فكرتَ قليلاً ؟ أفلاَ تذكرتَ هنيهة ؟! أفلاَ دعوتَ الله أن يرفق بك وأنت أحوج خلق الله إلى لطفه وعفوه ورعايته ورحمته .. فمَن لك غير الله في الأرض وفي السماوات . ومَن ينجدك فيها إلاّ هو . ومَن ربك سواه ؟ ومَن أرحم الراحمين بك من دون العالمين ؟
فهل لك أحد غيره ؟ لترجوه أو تذهب إليه أو تتمناه ؟ أو تتوهم أن ينفعك أو يأخذ بيدك أو يفتح عليك حباً للخير والنجاة والراحة والأنس والسكينة .
ففر إذن إليه . وعجل إذن إلى ظله ؛ فلا ظل غير ظله ، لا في الأوليين ولا في الآخرين، لا قبل الأزل ولا بعد الأبد ؛ تفز بقربه ورضاه وحبه ولقياه ، فهو الحبيب القريب الحسيب المجيب .
فهيّا أقبِل ولا تنس ولا تعرض فإذا أنسيتني فلا أنساك وإذا أعرضتَ .. ألقاك .


***


·
الأمراض طَرقَات يد خفيفة أو عنيفة من أصابع ملَك الموت – عزرائيل – u ، يدق بها على باب أرواحنا أحياناً لتذكرنا بالنعم المهداة بلا حساب وتنبهنا عن الخطر والموت والفناء والمصير المدهش ، ويلفت أنظار بصائرنا إلى أهوال القيامة والحساب والعاقبة .


***