المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمات جريئة لبديع الزمان سعيد النورسي ( ح 1 )


سامي
05-21-2010, 08:08 PM
كلمات جريئة لبديع الزمان سعيد النورسي



حازم ناظم فاضل


نشأ الاستاذ النورسي في مجتمع كان أهله يتباهون بالشجاعة ويحبون المدح والثناء عليهم كثيراً لإظهارهم أنهم السابقون في الشجاعة والإقدام. فيرغبون تقلّد طور البطولة وكأنهم قد فتحوا مملكة كبيرة. وكان الاستاذ النورسي كذلك يحمل حالة روحية تتسم بالفخر والاعتـزاز، يوم كان في العاشـرة من عمره، بل حتى أحياناً بصورة حب للمدح والثناء. فكان يتقلد طور بطل عظيم ورائد كبير وصاحب عمل عظيم خلاف رغبته. فكان يقول لنفسه : ما هذا الظهور والاختيال ولاسيما في الشجاعة، وأنت لا تساوي شروى نقير؟ فكان حائراً وجاهلاً بالجواب.
وعرف بعد فترة باخطار حقيقي : ان أولئك النورسيين، يتباهون لأن قريتهم نورس ستكسب فخراً عظيماً بنور رسائل النور. حتى ان الذين لم يسـمعوا باسم الولاية والناحية سيعرفون تلك القرية باهتمام بالغ. فهؤلاء النورسيون يظهرون شكرانهم - بحس مسبق - لتلك النعمة الإلهية على صورة زهو وتباهٍ(1) (http://www.r-alnoor.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=40#_ftn1) .

ونذكر هنا مواقف وكلمات جريئة للأستاذ النورسي والتي مرت في مراحل حياته :
(1)الرجولة المبكرة :
كانت بداية تحصيل العلم سنة 1885م ( 1303 هـ) بتعلّم القرآن الكريم حيث ساقته حالته الروحية إلى مراقبة ما يستفيضه أخوه الكبير عبدالله من العلوم فأعجب بمزاياه الراقية وتكامل خصاله الرفيعة بتحصيله العلوم، وشاهد كيف انه بزّ أقرانه في القرية وهم لا يستطيعون القراءة والكتابة. فدفعه هذا الإعجاب إلى شوق عظيم جاد لتلقي العلم؛ لذا شدّ الرحال إلى طلبه في القرى المجاورة لـنورس حتى حطها في قرية تاغ عند مدرسة الملا محمد أمين أفندي إلاّ أنه لم يتحمل المكوث فيها، فتركها. فعاد إلى قريته نورس وهي المحرومة من كتّاب او مدرسة لتلقي العلم، واكتفى بما يدرّسه له أخوه الكبير الملا عبدالله في أثناء زيارته الأسبوعية للعائلة. وبعد مدة قصيرة ذهب إلى قرية برمس ومن بعدها إلى مراعي شيخان -أي شيخ تاغي - ثم إلى قرية نورشين وبعدها إلى قرية خيزان ولرفضه التحكم به تشاجر في قرية برمس مع أربعة من الطلاب، حيث اتفق هؤلاء الأربعة على مشاكسته باستمرار مما دفعه إلى المثول بين يدي الشيخ سيد نور محمد شاكياً إليه هؤلاء الأربعة قائلاً باعتزاز:
- أيها الشيخ المحترم! أرجو أن تقول لهؤلاء ألاّ يأتوا للشجار معي جميعاً فليأتوا مثنى مثنى!
انشرح الشيخ سيد نور محمد من هذه الرجولة المبكرة في سعيد الصغير وقال ملاطفاً:
- أنت تلميذي، لن يتعرض لك أحد.
وبعد هذه الحادثة أُطلق عليه تلميذ الشيخ فظل في هذه المدرسة مدة، ثم تركها ذاهباً مع أخيه الملا عبد الله إلى قرية نورشين(2) (http://www.r-alnoor.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=40#_ftn2) .

(2) اقتلوني... ولكن حافظوا على شرف العلم ومكانته
عندما بلغ الاستاذ النورسي الخامسة عشرة من عمره ذاع صيته في مدينة سعرد واشتهر بين الناس بـ ( سعيدى مشهور) أي: سعيد المشهور ، حيث أعلن في سعرد انه مستعد للإجابة عن أي سؤال كان يرد منهم دون ان يسأل احداً سؤالاً ، مما أثار فضول علمائها، فأقبلوا عليه يمتحنونه ويحاولون إحراجه بأسئلتهم وذلك في اجتماع واسع حضره الملا فتح الله ايضاً وكان الاستاذ النورسي كلما يوجّه إليه سؤال يـمعن النظر في وجه أستاذه الملا فتح الله ويجيب وكأنه ينظر إلى كتاب ويقرأ، فالعلماء الذين شاهدوا هذا المنظر حكموا بأنه شاب خارق وأثنوا على ذكائه وعلمه ومنـزلته.
وما لبث خبر هذا الشاب ان شاع وانتشر بين الاهلين في سعرد حتى بدأ الناس يوقرونه كتوقيرهم لولي من الصالحين، مما أثار الحسد عند بعض العلماء وطلاب العلوم الآخرين. ولما كانوا غير قادرين على منازلته والتغلب عليه في ساحة المعرفة وميدان العلوم حاول بعض الشباب إيذاءه بالقوة والصراع والعراك. فطرق سمع أهالي سعرد هذا الخبر فحالوا دون ذلك وأنقذوه من بين ايديهم، ووضعوه في غرفة حفاظاً عليه، ولكنـه لفرط حبه لأهل العلم، اندفع من الغرفة خارجاً وقرر ان يدافع عن معارضيه من طلاب العلوم حتى لو قضوا عليه، وذلك لئلا يكونوا هدفاً للجهلاء. فتوجّه إلى أحد الطلاب قائلاً:
- اقتلوني... ولكن حافظوا على شرف العلم ومكانته.
وانصرف دون ان يهاجمه أحد من الطلبة... وهكذا زال الخلاف.
ولكن عندما سمع متصرف مدينة سعرد الخبر أرسل إلى الملا سعيد ثلة من الجندرمة ليبلغوه أنه أمر بنفي المعارضين له حفاظاً عليه وأنه يستدعيه لمقابلته. ولكن الاستاذ النورسي خاطب رئيس الجندرمة:
- نحن طلاب العلم، قد نتخاصم، ثم نتصالح ونتصافى فيما بيننا. فلا نرى من المناسب ان يتدخل من ليس من مسلكنا فيما يدور بيننا.على ان الخطأ قد صدر مني فأرجو إبلاغ المتصرف اعتذاري عن المجئ (3) (http://www.r-alnoor.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=40#_ftn3) .

(3)دفع الظلم:
في إحدى الليالي رأى الاستاذ النورسي في المـنام الشيخ عبد القادر الگيلاني (قدس سره) وهو يخاطبه:
- ملا سعيد! اذهب إلى رئيس عشيرة ميران مصطفى پاشا وادعه إلى الهداية والرشاد والإقلاع عن الظلم، وليقم الصلاة ويأمر بالمعروف.. واقتله إن لم يستجب.
بادر الملا سعيد إلى الذهاب إلى عشيرة ميران قاصداً خيمة مصطفى پاشا، ولكن لم يجده فجلس ليأخذ قسطاً من الراحة. وما أن دخل مصطفى پاشا الخيمة حتى هبّ الحاضرون قياماً، احتراماً له، سوى الملا سعيد لم يحرك ساكناً. لمح الپاشا ذلك فسأل أحد أمراء العشيرة فتاح آغا عن هذا الشاب فأعلمه انه ملا سعيد المشهور وحاول الپاشا كظم غيظه، وهو الذي ما كان ينشرح للعلماء، وسأل الملا سعيد:
- لِمَ أتيت إلى هنا؟
- جئت لإرشادك إلى الحق، فإما أن تتخلّ عن الظلم وتقيم الصلاة، او أقتلك!
لم يتحمل الپاشا هذا الكلام فاندفع خارج الخيمة، وتجول قليلاً ثم عاد إليها وكرر السؤال نفسه.
فأجابه الملا سعيد: لقد قلت لك ... جئت من اجل ما ذكرت!
أشار الپاشا إلى السيف المعلق بعماد الخيمة وقال بسخرية:
- أبهذا السيف الصدئ تقتلني!؟
- اليد هي التي تقطع لا السيف!
مرة أخرى ترك الپاشا الخيمة وهو يفور غضباً. ثم دخلها مخاطباً الملا سعيد:
- إن لي جمعاً غفيراً من العلماء في منطقة الجزيرة (جزيرة ابن عمر) وسأعقد مناظرة علمية فيما بينكم. فإن أقمت الحجة عليهم وألزمتهم، انفّذ طلبك وإلاّ فسألقيك في النهر.
قال الملا سعيد: - كما انه ليس من شأني إلزام جميع العلماء ، فليس باستطاعتك إن تلقيني في النهر. ولكن إن تفوقت عليهم اطلب منك بندقية ماوزر لأقتلك بـها ان لم تحافظ على وعدك.
عقب هذه المشادة العنيفة ذهبا معاً على الخيول إلى الجزيرة، ولم يتكلم الپاشا مع ملا سعيد طول الطريق. ولما وصلا إلى أحراش باني خاني أخلد الملا سعيد إلى النوم بعد أن أصابه الإرهاق. ولما أفاق وجد علماء الجزيرة ومعهم كتبهم ينتظرون ساعة المناظرة.
انعقد المجلس... وبعد تبادل السلام دارت أقداح الشاى على الحاضرين ولكن العلماء كانوا في شغل شاغل عن الشاي، إذ كانوا يقلبون صفحات الكتب، مأخوذين بشـهرة الملا سعيد ومنتظرين اسئلته، بينما لم يحفل الملا سعيد بالأمر، ولم يكتف بشرب شايه، بل بدأ بارتشاف الشاي الموضوع أمام إثنين أو أكثر ممن حوله من العلماء المشغولين بالنظر في الكتب .
وعندها خاطب مصطفى پاشا العلماء وهو يراقب مجرى الأمور:
- على الرغم من أنني لست متعلماً فإنني أرى أنكم ستُغلبون أمام الملا سعيد في مناظرتكم، لأني لاحظت ان إنكبابكم على الكتب ألهاكم عن شرب الشاي، بينما شرب الملا سعيد شايه ثم عدداً من أقداح غيره.
بدأ الملا سعيد بالملاطفة وشئ من المزاح مع العلماء ثم قال:
- أيها السادة! لقد عاهدت ألاّ اسأل أحداً، وها أنا منتظر أسئلتكم.
فاطمأن العلماء! وبدأوا بطرح ما يقارب الأربعين سؤالاً. وأجاب الملا سعيد عن الأسئلة كلها إجابات صائبة، سوى سؤال واحد أخطأ في جوابه، دون أن ينتبه إليه العلماء، حيث صدرت من الجميع علامات التصديق.
وبعد أن انفضّ المجلس، تبعهم الملا سعيد قائلاً:
- أرجو المعذرة.. لقد سهوت في جواب السؤال الفلاني ولم تفطنوا إليه. والجواب الصحيح هو كذا وكذا...
فقالوا: حقاً إنك قد ألزمتنا الحجة، فإننا معترفون بذلك!
ثم باشر قسم من هؤلاء العلماء يجلسون منه مجلس الطالب لينهلوا من فيض علمه. أما مصطفى پاشا فقد وفى بوعده وأهدى إلى الملا سعيد بندقية ماوزر وبدأ بإقامة الصلاة.
وبعد ان ظل مدة في الجزيرة توجه مع أحد طلابه الملا صالح إلى (بيرو) وهي منطقة بدو العرب. ومكث فيها مدة حتى طرق سمعه ان مصطفى پاشـا قد عاد إلى عادته القديمة في ظلم الناس. فذهب إليه وأبدى له النصائح مدة ثم هدده قائلاً:
- أوَ بدأت بالظلم مرة أخرى؟ سأقتلك باسم الحق.
ولكن كاتب الپاشا تدخل في الأمر وهدّأ الموقف، بينما الملا سعيد استمر في تعنيفه الپاشا وتوبيخه لكثرة مظالمه، فلم يتحمل الپاشا هذه الإهانات وهمّ بقتله فحال شيوخ عشيرة ميران دون ذلك. ثم تقرّب نجل الپاشا عبد الكريم من الملا سعيد ورجاه قائلا:
- لا تكترث بصنيع أبي انه لا يسمع كلاماً من أحد.. عقيدته فاسدة.. أرجوك رجاء خالصاً أن تتشـرف إلى مكان آخر.. فمال الملا سعيد إلى كلام عبد الكريم ورجائه، وغادر المكان متوغلاً في صحراء بيرو واذا به يصادف الأشقياء المسلحين بالحراب والخناجر، ولما كان الملا سعيد يحمل بندقية أطلق عليهم عدة عيارات نارية، فانصرفوا. واستمر في سيـره الاّ انه بعد مدة رأى نفسه محاصراً بين عدد من قطاع الطرق، وعندما همّوا بقتله لمحه أحدهم وقال:
- إنه شخص مشهور شاهدته في عشيرة ميران.
وما أن سمعوا هذا الكلام حتى أخلوا سبيله معتذرين منه، بل أرادوا مرافقته لئلا يصيبه أذى في تلك الأماكن الخطرة. فردّ الملا سعيد طلبهم واستمر في طريقه وحده(4) (http://www.r-alnoor.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=40#_ftn4) .

-----------------------------------------

(1) (http://www.r-alnoor.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=40#_ftnref1) سيرة ذاتية ، بديع الزمان سعيد النورسي ، إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي ، دار سوزلر ، استانبول ، ص: 42

(2) (http://www.r-alnoor.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=40#_ftnref2) سيرة ذاتية - ص: 44

(3) (http://www.r-alnoor.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=40#_ftnref3) سيرة ذاتية - ص: 52

(4) (http://www.r-alnoor.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=40#_ftnref4) سيرة ذاتية - ص: 58