رسائل النور
03-10-2009, 06:41 PM
الكون والطبيعة في فكر الإمام النورسي
أ.د. فاروق حمادة
---------------------------------------------------------------------
http://www.syriakurds.com/images/image002.jpg
هبت رياح صرصر عاتية على العالم الإسلامي من جهات العالم الأربع في نهاية القرن الماضي للميلاد، تحمل بذورا على الإنسانية مشؤومة، تنبت الزندقة والإلحاد، وتنكر الغيب وتؤمن بالحس والمادة وتهزأ مما سواهما. وطاشت تحت وطأتها عقول الراشدين الأسوياء، إلا من رحم الله، فمن موافق ومن متجاهل ومن ملفق، وقليل ما هم الذين واجهوا الأعاصير هذه وتصدوا لها بحواجز الإيمان ومعارف القرآن وبما تسلم به عقول الأسوياء من بني الإنسان. ومن هؤلاء النخبة المصطفاة والخيرة المجتباة النابغةُ المتميز، بديع الزمان سعيد النُّورْسِي الذي كان تحطيم مركز وجوده هو المقصود، ومركز الدائرة وسرها المرصود.
لقد كرع هذا من حياض القرآن وهديه، وأصاخ السمع للمعارف الجديدة بعقله وقلبه، فشرح الله منه الصدر والفؤاد، وبدأ يجابه المادة بنفس ما تستعمله من سلاح وعتاد، ألا هو المادة والطبيعة والكون والإنسان فأجاد في ذلك أيما إجادة، وأفاد فوائد تربو على الحصر والزيادة. وفي تقديري أن استعماله لهذا السلاح الذي كان يمسك به الخصم هو الذي جعل الشباب يقبلون على رسائله وينتظرون أبكار أفكاره، وواضح أدلته. فثبت الله به الجم الغفير، وكتب لعمله وعطائه البقاء، غضا طريا، تستهديه الأجيال وتستنير به القلوب الظامئة الطامحة إلى أحسن الأحوال.
لقد كان للكون والطبيعة أثر بالغ في نفس النورسي، ويرى في ذلك أدلة حق قاطع، وشهادات صدق ساطع، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (الأنفال:42).
ففي كل صفحة من رسائله وكتبه يرى قراؤه الكون والطبيعة، فكيف كان أثر هذه الرؤية على نفسه أولا؟
النورسي والكون
إن ظروف وحدته في سجونه وتنقلاته، فتحت على الكون عين بصره وبصيرته، فأصبح يرى ما لا يراه المغمورون في خضم الحياة. وبحكم ما تكنه حناياه ومشاعره من آي القرآن، تولّد لديه إحساس مرهف بهذا الكون من حوله، ففجر طاقات عظيمة جدا، واقتبس نزرا من النماذج الكثيرة الوفيرة التي تبين لنا مدى تأثره وتفاعله بهذا من حوله. يقول رحمه الله: "في إحدى الليالي كنت على ارتفاع عظيم في وكر منصوب على قمة شجرة القطران المرتفعة على قمة من قمم جبل "جام"، نظرت من هناك إلى وجه السماء الأنيس الجميل بمصابيح النجوم، فرأيت أن في القَسَم الوارد في الآية الكريمة: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (التكوير:15-16) نورا ساميا من أنوار الإعجاز، وشاهدت فيه سرا بليغا لامعا من أسرار البلاغة".
ويقول: "لقد بقيت منذ شهرين أو ثلاثة وحيدا فريدا، وربما يأتيني ضيف في كل عشرين يوما أو ما يقرب من ذلك، فأظل وحيدا في سائر الأوقات، ففي هذه الجبال الموحية بالغربة، وعندما يرخي الليل سدوله، فلا صوت ولا صدى إلا حفيف الأشجار الحزين، رأيتني وقد غمرتني خمسة ألوان من الغربة...".
ويقول: "كنت جالسا ذات يوم في الطابق العلوي من فندق "شهر" عقب إطلاق سراحنا من سجن "دنيزلي" أتأمل فيما حولي من أشجار الحور والصفصاف الكثيرة في الحدائق الغناء والبساتين الجميلة، رأيتها جذلانة بحركاتها الراقصة الجذابة تتمايل بجذوعها وأغصانها، وتهتز أوراقها بأدنى لمسة من نسيم، فبدت أمامي بأبهى صورها وأحلاها وكأنها تسبح لله في حلقات ذكر وتهليل. مست هذه الحركات اللطيفة أوتار قلبي المحزون من فراق إخواني، وأنا مغموم لانفرادي وبقائي وحيدا، فخطر على البال فجأةً موسمَا الخريفِ والشتاءِ وانتابتني غفلة، إذ ستتناثر الأوراق وسيذهب الرواء والجمال، وبدأتُ أتألم على تلك الصور الجميلة، وأتحسر على سائر الأحياء التي تتجلى فيها تلك النشوة الفائقة تألما شديدا حتى أغرورقت عيناي واحتشدت على رأسي أحزان تدفقت من الزوال والفراق تملأ هذا الستار المزركش البهيج للكائنات.
ويقول: "بينما كنت على قمة جبل في "بارلا" أيام منفاي، أسرح النظر في أشجار الصنوبر والقطران التي تغطي الجهات، وأتأمل في هيبة أوضاعها وروعة أشكالها وصورها، إذ هب نسيم رقيق حوّل ذلك الموضع المهيب الرائع إلى أوضاعٍ تسبيحات وذِكر جذابة، واهتزازات نشوة شوق وتهليل، وإذا بذلك المشهد البهيج السار يعتصر عبرا أمام النظر، وينفث الحكمة في السمع، وفجأة خطرت ببالي الفقرة الآتية بالكردية لأحمد الجزري ترجمتها:
لقد أتى الجميع مسرعين من كل صوب لمشاهدة حسنك.
إنهم بجمالك يتغنجون،
وتعبيرا عن معاني العبرة بكى قلبي على هذه الصورة،
يا رب إن كل حي يتطلع من كل مكان،
فينظرون معا إلى حسنك،
ويتأملونه في روائع الأرض التي هي معرض صنعك،
فهم كالدعاة الأدلاء ينادون من كل مكان...
من الأرض ومن السماوات العلى إلى جمالك...إلخ.
ويقول في الكلمات: "كنت سارحا في رفقة غربتي أسوح مع الفكر، وأجول مع الخيال والتأمل. فقادتني قدماي إلى سفح رابية مزدانة بالخضرة فرنت إليّ على استحياء من وسط هذا البساط الأخضر زهرةٌ صفراء ساطعة النضرة، وألوت جيدا إليّ تناغيني بود ومحبة، فأثارت مشاعري وأشواقي إلى زهرات مثلها التقيتها في ربوع بلدتي "وان" وفي سائر المدن الأخرى التي كانت تحتضن غربتي مرة بعد أخرى، فانهال هذا المعنى فجأة على قلبي...".
النورسي بين الكتابين
لقد كان النورسي رحمه الله مرهف الإحساس رقيق المشاعر يقظ الفؤاد نبيه الفكر، رأى الكون والطبيعة من حوله فتأمل فيها بهذا الإرهاف والنباهة. فعكس ذلك على قلبه أفكارا عميقة الغور بعيدة المدى. إنه يرى كل شيء في هذا الوجود من حوله صغيرا وكبيرا، فينظر إلى موضعه وغايته وهدف وجوده ويفجر منه الأحاسيس والأفكار، وقد نثر ذلك في كتابه بما يضيق المقام عنه.
إن القارئ ليشعر أن آيات الكتاب المسطور (القرآن الكريم) تفاعلت في كيانه مع آيات الكتاب المنظور (الكون)، فأبدع أروع الأفكار وأهم الرؤى والآثار، ومِن تتبُّعِ ما كتب نجد أن أكثر ما أثر فيه منظر الربيع بما يضمه ويبتدئ فيه من حياة، ومنظر الخريف، وكيف يتغير فيه وجه الأرض ويستعد للموت، لذلك أكثر جدا من وصف هذا المنظر المؤثر البليغ. علما بأنه تأمل في صغير المخلوقات وكبيرها، من الأرض والسماء انتهاء إلى صغيرها كالأرضة والبعوضة والنحلة والذباب، وتأمَّلَ في النافع والضار، وبيّن حكمة هذه الأضداد في مخلوقات الله وضرورتها وفائدتها.
وإنه في سياحته الكونية، وتقلبه في أحضان الطبيعة في ليلها ونهارها، وفي ظاهرها وباطنها في صغيرها وكبيرها، كان يرى أن هذا الكون مع تباعد أرجائه، واختلاف مادته وأحيائه هو شجرة متناسقة، تؤدي وظيفتها بدقة وإتقان، وتدل على الكبير المتعال. وبهذا الكون أنكر الماديون الخالق ونفوا عالم الغيب وتبلد فيهم الإحساس، فهو بنفس السلاح يحاربهم وبمظاهر هذا الكون وأرجاء الطبيعة يقرعهم ويوقظهم من غفلات جهلهم.
أ.د. فاروق حمادة
---------------------------------------------------------------------
http://www.syriakurds.com/images/image002.jpg
هبت رياح صرصر عاتية على العالم الإسلامي من جهات العالم الأربع في نهاية القرن الماضي للميلاد، تحمل بذورا على الإنسانية مشؤومة، تنبت الزندقة والإلحاد، وتنكر الغيب وتؤمن بالحس والمادة وتهزأ مما سواهما. وطاشت تحت وطأتها عقول الراشدين الأسوياء، إلا من رحم الله، فمن موافق ومن متجاهل ومن ملفق، وقليل ما هم الذين واجهوا الأعاصير هذه وتصدوا لها بحواجز الإيمان ومعارف القرآن وبما تسلم به عقول الأسوياء من بني الإنسان. ومن هؤلاء النخبة المصطفاة والخيرة المجتباة النابغةُ المتميز، بديع الزمان سعيد النُّورْسِي الذي كان تحطيم مركز وجوده هو المقصود، ومركز الدائرة وسرها المرصود.
لقد كرع هذا من حياض القرآن وهديه، وأصاخ السمع للمعارف الجديدة بعقله وقلبه، فشرح الله منه الصدر والفؤاد، وبدأ يجابه المادة بنفس ما تستعمله من سلاح وعتاد، ألا هو المادة والطبيعة والكون والإنسان فأجاد في ذلك أيما إجادة، وأفاد فوائد تربو على الحصر والزيادة. وفي تقديري أن استعماله لهذا السلاح الذي كان يمسك به الخصم هو الذي جعل الشباب يقبلون على رسائله وينتظرون أبكار أفكاره، وواضح أدلته. فثبت الله به الجم الغفير، وكتب لعمله وعطائه البقاء، غضا طريا، تستهديه الأجيال وتستنير به القلوب الظامئة الطامحة إلى أحسن الأحوال.
لقد كان للكون والطبيعة أثر بالغ في نفس النورسي، ويرى في ذلك أدلة حق قاطع، وشهادات صدق ساطع، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (الأنفال:42).
ففي كل صفحة من رسائله وكتبه يرى قراؤه الكون والطبيعة، فكيف كان أثر هذه الرؤية على نفسه أولا؟
النورسي والكون
إن ظروف وحدته في سجونه وتنقلاته، فتحت على الكون عين بصره وبصيرته، فأصبح يرى ما لا يراه المغمورون في خضم الحياة. وبحكم ما تكنه حناياه ومشاعره من آي القرآن، تولّد لديه إحساس مرهف بهذا الكون من حوله، ففجر طاقات عظيمة جدا، واقتبس نزرا من النماذج الكثيرة الوفيرة التي تبين لنا مدى تأثره وتفاعله بهذا من حوله. يقول رحمه الله: "في إحدى الليالي كنت على ارتفاع عظيم في وكر منصوب على قمة شجرة القطران المرتفعة على قمة من قمم جبل "جام"، نظرت من هناك إلى وجه السماء الأنيس الجميل بمصابيح النجوم، فرأيت أن في القَسَم الوارد في الآية الكريمة: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (التكوير:15-16) نورا ساميا من أنوار الإعجاز، وشاهدت فيه سرا بليغا لامعا من أسرار البلاغة".
ويقول: "لقد بقيت منذ شهرين أو ثلاثة وحيدا فريدا، وربما يأتيني ضيف في كل عشرين يوما أو ما يقرب من ذلك، فأظل وحيدا في سائر الأوقات، ففي هذه الجبال الموحية بالغربة، وعندما يرخي الليل سدوله، فلا صوت ولا صدى إلا حفيف الأشجار الحزين، رأيتني وقد غمرتني خمسة ألوان من الغربة...".
ويقول: "كنت جالسا ذات يوم في الطابق العلوي من فندق "شهر" عقب إطلاق سراحنا من سجن "دنيزلي" أتأمل فيما حولي من أشجار الحور والصفصاف الكثيرة في الحدائق الغناء والبساتين الجميلة، رأيتها جذلانة بحركاتها الراقصة الجذابة تتمايل بجذوعها وأغصانها، وتهتز أوراقها بأدنى لمسة من نسيم، فبدت أمامي بأبهى صورها وأحلاها وكأنها تسبح لله في حلقات ذكر وتهليل. مست هذه الحركات اللطيفة أوتار قلبي المحزون من فراق إخواني، وأنا مغموم لانفرادي وبقائي وحيدا، فخطر على البال فجأةً موسمَا الخريفِ والشتاءِ وانتابتني غفلة، إذ ستتناثر الأوراق وسيذهب الرواء والجمال، وبدأتُ أتألم على تلك الصور الجميلة، وأتحسر على سائر الأحياء التي تتجلى فيها تلك النشوة الفائقة تألما شديدا حتى أغرورقت عيناي واحتشدت على رأسي أحزان تدفقت من الزوال والفراق تملأ هذا الستار المزركش البهيج للكائنات.
ويقول: "بينما كنت على قمة جبل في "بارلا" أيام منفاي، أسرح النظر في أشجار الصنوبر والقطران التي تغطي الجهات، وأتأمل في هيبة أوضاعها وروعة أشكالها وصورها، إذ هب نسيم رقيق حوّل ذلك الموضع المهيب الرائع إلى أوضاعٍ تسبيحات وذِكر جذابة، واهتزازات نشوة شوق وتهليل، وإذا بذلك المشهد البهيج السار يعتصر عبرا أمام النظر، وينفث الحكمة في السمع، وفجأة خطرت ببالي الفقرة الآتية بالكردية لأحمد الجزري ترجمتها:
لقد أتى الجميع مسرعين من كل صوب لمشاهدة حسنك.
إنهم بجمالك يتغنجون،
وتعبيرا عن معاني العبرة بكى قلبي على هذه الصورة،
يا رب إن كل حي يتطلع من كل مكان،
فينظرون معا إلى حسنك،
ويتأملونه في روائع الأرض التي هي معرض صنعك،
فهم كالدعاة الأدلاء ينادون من كل مكان...
من الأرض ومن السماوات العلى إلى جمالك...إلخ.
ويقول في الكلمات: "كنت سارحا في رفقة غربتي أسوح مع الفكر، وأجول مع الخيال والتأمل. فقادتني قدماي إلى سفح رابية مزدانة بالخضرة فرنت إليّ على استحياء من وسط هذا البساط الأخضر زهرةٌ صفراء ساطعة النضرة، وألوت جيدا إليّ تناغيني بود ومحبة، فأثارت مشاعري وأشواقي إلى زهرات مثلها التقيتها في ربوع بلدتي "وان" وفي سائر المدن الأخرى التي كانت تحتضن غربتي مرة بعد أخرى، فانهال هذا المعنى فجأة على قلبي...".
النورسي بين الكتابين
لقد كان النورسي رحمه الله مرهف الإحساس رقيق المشاعر يقظ الفؤاد نبيه الفكر، رأى الكون والطبيعة من حوله فتأمل فيها بهذا الإرهاف والنباهة. فعكس ذلك على قلبه أفكارا عميقة الغور بعيدة المدى. إنه يرى كل شيء في هذا الوجود من حوله صغيرا وكبيرا، فينظر إلى موضعه وغايته وهدف وجوده ويفجر منه الأحاسيس والأفكار، وقد نثر ذلك في كتابه بما يضيق المقام عنه.
إن القارئ ليشعر أن آيات الكتاب المسطور (القرآن الكريم) تفاعلت في كيانه مع آيات الكتاب المنظور (الكون)، فأبدع أروع الأفكار وأهم الرؤى والآثار، ومِن تتبُّعِ ما كتب نجد أن أكثر ما أثر فيه منظر الربيع بما يضمه ويبتدئ فيه من حياة، ومنظر الخريف، وكيف يتغير فيه وجه الأرض ويستعد للموت، لذلك أكثر جدا من وصف هذا المنظر المؤثر البليغ. علما بأنه تأمل في صغير المخلوقات وكبيرها، من الأرض والسماء انتهاء إلى صغيرها كالأرضة والبعوضة والنحلة والذباب، وتأمَّلَ في النافع والضار، وبيّن حكمة هذه الأضداد في مخلوقات الله وضرورتها وفائدتها.
وإنه في سياحته الكونية، وتقلبه في أحضان الطبيعة في ليلها ونهارها، وفي ظاهرها وباطنها في صغيرها وكبيرها، كان يرى أن هذا الكون مع تباعد أرجائه، واختلاف مادته وأحيائه هو شجرة متناسقة، تؤدي وظيفتها بدقة وإتقان، وتدل على الكبير المتعال. وبهذا الكون أنكر الماديون الخالق ونفوا عالم الغيب وتبلد فيهم الإحساس، فهو بنفس السلاح يحاربهم وبمظاهر هذا الكون وأرجاء الطبيعة يقرعهم ويوقظهم من غفلات جهلهم.