الانباري
11-01-2011, 11:58 AM
العالِمة النابغة: فاطمة... شيخة العلماء والمفتين
إعداد: منال المغربي
فقيهة، محدِّثة، ولغوية بارعة، تُعتبر عَلَماً من أعلام مكة، فضلاً عن كونها عَلَماً من أعلام علماء الحنابلة فيها... رويت لها مناقشات بقلمها انتقدت فيها أبا سعيد الأخفش النحوي الشهير، ولها تعاليق علـــى شروح: «غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى» للكَرْمي الحنبلي، و«حواشي الشيخ منصور في الفقه الحنبلي».
هي فاطمة الزبيرية، وهي فوق هذا خطّاطة بارعة ... تعلّمت الخط من صغرها؛ فكتبت كتباً كثيرة في فنون شتى، وعُرِف خطها بأنه حسن، منور، مضبوط. ولقد كتبت المصحف الشريف بيدها في مكة المكرمة، ودوّنت على مخطوطتها للقرآن الكريم ما يأتي: ((صدق الله العظيم وبلّغ رسوله الأمين... تشرّفت بكتابة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، وكتبته بيدي الفانية لنفسي البالية، وأنا الفقيرة إلى رحمة الله ومغفرته.. أمة الله ونزيلة بيته المحرم. فاطــمة بنت حمد الزبيرية الحنبلية في منزلي عند باب الزيارة بمكة المكرّمة في النصف الأول من ليلة القدر من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث وعشرين ومائتين بعد الألف... أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن قُبل صيامه وقيامه، وأعتق رقبته من النار (الحمد لله وحده)). ومخطوطة المصحف محفوظة في مركز سعود البابطين الخيري للتراث.
نَسَبها ومولدها
هي ابنة حمد الفُضَيْلي، ترجم لها مفتي الحنابلة الشيخ محمد بن حميد النجدي إمام وخطيب الحرم المكي المتوفى سنة 1225 هـ، في طبقاته بقوله: ((الشيخة فاطمة الصالحة العالمة العابدة الزاهدة، ولدت في بلدة سيدنا الزبير (وهي إحدى مدن العراق) قبيل المائتين والألف، ونشأت بها، وقرأت على شيوخها)).
مِن شيوخها
تتلمذت على يد الشيخ إبراهيم بن ناصر ابن جديد الزبيري النجدي الأصل الذي يعدّ مرجع أهل مدينة الزبير في الفتاوى في ذلك الوقت، وتولّى القضاء فيها عام 1211هـ بدون مرتب؛ فأخذت عنه التفسير والحديث ثم أخذت عنه أيضاً فقه الحنابلة.
تدريسها
كان لهذه السيدة درس في الحرم المكي تلقيه على تلاميذها، بالإضافة إلى درس للرجال والنساء داخل خيمة نصبتها في صحن بيتها؛ حيث كان يجلس الرجال خارجها، وتحتجب هي داخل الخيمة مع النساء.
من أهم مآثرها
أوقفت جميع كتبها على طلبة العلم من الحنابلة، وجعلت (الناظرَ) أحدَ معارفها من بلدة الزبير، وهو الشيخ محمد الهديبي، وظلت الكتب لديه إلى أن قرر الانتقال الى المدينة؛ فتورع عن إخراجها من مكة؛ فتركها عند خادمتها (شائعة بنت النجار) وأولادها. ثم أرادت شائعة الخروج أيضاً إلى المدينة؛ فأُشير عليها بأن تبقي الكتب الموقوفة في مكة، إلا أن أولادها قالوا إن الواقفة لم تشترط ذلك فأخذوها معهم، وبعد وفاتهم تفرقت تلك الكتب.
ملازمتها الحرم المكي
زارت مسجد الرسو صلى الله عليه وسلم، وعادت إلى مكة فأقامت بها في (باب زيادة) في بيت ملاصق للحرم المكي الشريف تُرى منه الكعبة، وعزمتْ على الإقامة فيه حتى الممات؛ فتردّد إليها علماء مكة حيث سمعوا منها وأسمعوها وأجازتهم وأجازوها، خصوصاً الشيخ عمر بن عبد الله والشيخ محمد صالح الريس المكّي الزمزمي مفتي الشافعية، فقد كانا كثيرَي التردد إليها والسماع منها. شهد لها المؤرخ المكي عبد الستار الدهلوي فقال عنها: ((لم نسمع في هذا العصر بمثلها ولا من يُدانيها في علمها وصلاحها وزهدها وورعها وجمعها للفضائل)).
من كراماتها
ذكر الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد كرامة لها في كتابه (السُّحُب الوابلة على ضــرائح الحنابلة): اتفق لها كرامة ظاهرة باهرة لا يمكن ادعاؤها، وهي: أنه كُفّ بصرها في آخر عمرها؛ فبقيت على ذلك نحو سنتين أو أكثر. وكانت بعض النساء الصالحات تخدمها محبّة فيها، وتبرّكاً بها. فعرض لها شغل في بعض الليالي عند زوجها وأولادها - أي الخادمة - فاستأذنت الشيخة في المبيت عندهـم تلك الليلة؛ فأذنت لها. فقامت الشيخة تلك الليلة للتهجّد على العادة. فتوضأت وزلقت رجلها فسقطت وانكسر ضلعان من أضلاعها. فعصبتهما وصلّت راتبها بغاية التكلّف والمشقة. ثم غفت؛ فرأت النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، مُقْبِلين من نحو الكعبة. قالت: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من ريقه الشريف بطرف ردائه، وقال: امسحي عينيك، فمسحتُهما فأبصرتُ في الحال. ثم مسحتُ على الكسر فبرأ في الحال؛ فقال صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة من غير استئذان؟ فقالت: يا سيدي يا رسول الله إن الحدث الأصغر يندرج في الأكبر، وأنـت قد أذنت في البصر وهو أعظم، فتبسم صلى الله عليه وسلم فلما أصبحَتْ وأتى النساء إليها على العادة وجَدْنها مبصرة. وقصّت عليهم الرؤيا.
أبرز مصنفاتها
شرح على(صحيح مسلم)، وحاشية على (الروض المربع)، و(مختصر الغالب على متن دليل الطالب)؛ وهو مختصر كتاب (متن الدليل) المنسوب للشيخ مرعي الكرمي، ولكن الأجل حال بينها وبين إكمال اختصاره.
وفاتها
توفيت وهي بكر لم تتزوج عام 1247هـ=1831م، ودُفنت بالمَعْلاة بمكة المكرمة في شعبة النور بوصية منها.
إعداد: منال المغربي
فقيهة، محدِّثة، ولغوية بارعة، تُعتبر عَلَماً من أعلام مكة، فضلاً عن كونها عَلَماً من أعلام علماء الحنابلة فيها... رويت لها مناقشات بقلمها انتقدت فيها أبا سعيد الأخفش النحوي الشهير، ولها تعاليق علـــى شروح: «غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى» للكَرْمي الحنبلي، و«حواشي الشيخ منصور في الفقه الحنبلي».
هي فاطمة الزبيرية، وهي فوق هذا خطّاطة بارعة ... تعلّمت الخط من صغرها؛ فكتبت كتباً كثيرة في فنون شتى، وعُرِف خطها بأنه حسن، منور، مضبوط. ولقد كتبت المصحف الشريف بيدها في مكة المكرمة، ودوّنت على مخطوطتها للقرآن الكريم ما يأتي: ((صدق الله العظيم وبلّغ رسوله الأمين... تشرّفت بكتابة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، وكتبته بيدي الفانية لنفسي البالية، وأنا الفقيرة إلى رحمة الله ومغفرته.. أمة الله ونزيلة بيته المحرم. فاطــمة بنت حمد الزبيرية الحنبلية في منزلي عند باب الزيارة بمكة المكرّمة في النصف الأول من ليلة القدر من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث وعشرين ومائتين بعد الألف... أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن قُبل صيامه وقيامه، وأعتق رقبته من النار (الحمد لله وحده)). ومخطوطة المصحف محفوظة في مركز سعود البابطين الخيري للتراث.
نَسَبها ومولدها
هي ابنة حمد الفُضَيْلي، ترجم لها مفتي الحنابلة الشيخ محمد بن حميد النجدي إمام وخطيب الحرم المكي المتوفى سنة 1225 هـ، في طبقاته بقوله: ((الشيخة فاطمة الصالحة العالمة العابدة الزاهدة، ولدت في بلدة سيدنا الزبير (وهي إحدى مدن العراق) قبيل المائتين والألف، ونشأت بها، وقرأت على شيوخها)).
مِن شيوخها
تتلمذت على يد الشيخ إبراهيم بن ناصر ابن جديد الزبيري النجدي الأصل الذي يعدّ مرجع أهل مدينة الزبير في الفتاوى في ذلك الوقت، وتولّى القضاء فيها عام 1211هـ بدون مرتب؛ فأخذت عنه التفسير والحديث ثم أخذت عنه أيضاً فقه الحنابلة.
تدريسها
كان لهذه السيدة درس في الحرم المكي تلقيه على تلاميذها، بالإضافة إلى درس للرجال والنساء داخل خيمة نصبتها في صحن بيتها؛ حيث كان يجلس الرجال خارجها، وتحتجب هي داخل الخيمة مع النساء.
من أهم مآثرها
أوقفت جميع كتبها على طلبة العلم من الحنابلة، وجعلت (الناظرَ) أحدَ معارفها من بلدة الزبير، وهو الشيخ محمد الهديبي، وظلت الكتب لديه إلى أن قرر الانتقال الى المدينة؛ فتورع عن إخراجها من مكة؛ فتركها عند خادمتها (شائعة بنت النجار) وأولادها. ثم أرادت شائعة الخروج أيضاً إلى المدينة؛ فأُشير عليها بأن تبقي الكتب الموقوفة في مكة، إلا أن أولادها قالوا إن الواقفة لم تشترط ذلك فأخذوها معهم، وبعد وفاتهم تفرقت تلك الكتب.
ملازمتها الحرم المكي
زارت مسجد الرسو صلى الله عليه وسلم، وعادت إلى مكة فأقامت بها في (باب زيادة) في بيت ملاصق للحرم المكي الشريف تُرى منه الكعبة، وعزمتْ على الإقامة فيه حتى الممات؛ فتردّد إليها علماء مكة حيث سمعوا منها وأسمعوها وأجازتهم وأجازوها، خصوصاً الشيخ عمر بن عبد الله والشيخ محمد صالح الريس المكّي الزمزمي مفتي الشافعية، فقد كانا كثيرَي التردد إليها والسماع منها. شهد لها المؤرخ المكي عبد الستار الدهلوي فقال عنها: ((لم نسمع في هذا العصر بمثلها ولا من يُدانيها في علمها وصلاحها وزهدها وورعها وجمعها للفضائل)).
من كراماتها
ذكر الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد كرامة لها في كتابه (السُّحُب الوابلة على ضــرائح الحنابلة): اتفق لها كرامة ظاهرة باهرة لا يمكن ادعاؤها، وهي: أنه كُفّ بصرها في آخر عمرها؛ فبقيت على ذلك نحو سنتين أو أكثر. وكانت بعض النساء الصالحات تخدمها محبّة فيها، وتبرّكاً بها. فعرض لها شغل في بعض الليالي عند زوجها وأولادها - أي الخادمة - فاستأذنت الشيخة في المبيت عندهـم تلك الليلة؛ فأذنت لها. فقامت الشيخة تلك الليلة للتهجّد على العادة. فتوضأت وزلقت رجلها فسقطت وانكسر ضلعان من أضلاعها. فعصبتهما وصلّت راتبها بغاية التكلّف والمشقة. ثم غفت؛ فرأت النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، مُقْبِلين من نحو الكعبة. قالت: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من ريقه الشريف بطرف ردائه، وقال: امسحي عينيك، فمسحتُهما فأبصرتُ في الحال. ثم مسحتُ على الكسر فبرأ في الحال؛ فقال صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة من غير استئذان؟ فقالت: يا سيدي يا رسول الله إن الحدث الأصغر يندرج في الأكبر، وأنـت قد أذنت في البصر وهو أعظم، فتبسم صلى الله عليه وسلم فلما أصبحَتْ وأتى النساء إليها على العادة وجَدْنها مبصرة. وقصّت عليهم الرؤيا.
أبرز مصنفاتها
شرح على(صحيح مسلم)، وحاشية على (الروض المربع)، و(مختصر الغالب على متن دليل الطالب)؛ وهو مختصر كتاب (متن الدليل) المنسوب للشيخ مرعي الكرمي، ولكن الأجل حال بينها وبين إكمال اختصاره.
وفاتها
توفيت وهي بكر لم تتزوج عام 1247هـ=1831م، ودُفنت بالمَعْلاة بمكة المكرمة في شعبة النور بوصية منها.