رسائل النور
11-20-2011, 08:56 AM
علاّمة العراق الشيخ أمجد الزهاوي
http://dc153.4shared.com/img/105873104/dbcfc449/alzahawi.jpg
عبد الرحمن خليل إبراهيم الكبيسي
هناك رجال حياتهم خير، ومماتهم خير، فهم يبقون في ذاكرة الشعوب والأفراد ، يذكرون أولئك الأخيار الأبرار، ويتأسون بهم، فيستمر خيرهم زمناً طويلاً .
وكان الشيخ أمجد رحمه الله من هؤلاء الأخيار، فقد عاصر أخطر الحوادث في العالم الإسلامي والوطن العربي، وكان يؤدي دوره الكبير في هذه الحقبة الحرجة من تاريخ الإسلام والمسلمين، وتسجَّل أعماله ومواقفه بأحرف من نور، فقد عاش للإسلام وللإسلام، فكان حياً في قلوب الناس، وتجرد لله، فأحبّه الناس، ولا ينبغي إلا أن يكون حاله هكذا، فمن عمل لله، ولمصلحة المسلمين، وضحّى بعمره كله في سبيل هذين الهدفين العظيمين، أحبّه الله، وبارك عمله، وجعله محبوب الجماهير المؤمنة.
ولادته ونشأته :
وُلد الشيخ أمجد في مدينة بغداد سنة 1300هـ - 1883م ، قبل وفاة جدّه الشيخ محمد فيضي بستّ سنوات ، نشأ في أسرة علم وفضل ودين وإفتاء ، ذات مكانة اجتماعية مرموقة .
فأبوه الشيخ محمد سعيد مفتي بغداد، وجدّه الشيخ محمد فيضي كان مفتي بغداد أيضاً، وكان لجدّه مجلس في داره يتردد عليه عِليةُ القوم من علماء ورجال دولة كبار ، ووجهاء البلد ، وكثيراً ما كان الشيخ أمد وهو صبي يدخل مجلس جدّه ، فيداعبه الجدّ بقوله : (أمجد ، أتحبّ أباك أم جدك؟) .
نشأ الشيخ أمجد في رعاية جدّه المفتي الشيخ محمد فيضي الذي كان يحبّه ويربيه ويرعاه منذ طفولته، فقد كان يتوسم فيه النبوغ والذكاء، وكان جدّه يقول: (إن حفيدي أمجد أحبّ إليّ من ابني) .
وقد أحبه الجميع لذكائه ، وخُلُقه الحسن ، قيل إنه لم يكن يحبّ اللهو والعبث في صباه ، وكان يتميز بالاستقامة والجدّ منذ نعومة أظفاره ، كثير الاستفسار ، دائم التفكير .
تعليمه:
تلقّى تعليمه الأوّلي على يدي والده وجدّه، وكلاهما عالم فاضل، ومربّ حكيم، ثم انطلق إلى مجالس العلماء في بغداد، يستمع إليهم، ويحاورهم فيما يشكل عليه، ويستمعون إلى الفتى الذي غدا عالماً في الشريعة، فقيهاً، يقتنص الشوارد في الفتاوى والأحكام، ولغوياً أديباً، ثم رحل إلى الآستانة عاصمة الدولة العثمانية ، ودرس ستّ سنين في مدرسة النواب ، وكان ترتيبه الأول على طلاب صفه في سني الدراسة كافة ، إلى أن تخرّج فيها بتفوق عام 1906م ، ولا رُفع اسمه إلى السلطان عبد الحميد الثاني ، أهداه وسام الشرف مع ميدالية ، تقديراً لنبوغه وتفوّقه ، وعرض عليه أن يعيّنه عضواً في محكمة إستانبول ، مع العلم أن من شروط عضوية هذه المحكمة أن يكون الشخص من خريجي مدرسة النواب بالإضافة إلى خدمة ست سنوات في سلك القضاء ، وأن يكون ذا سمعة طيبة من حيث جدارته العلمية وعدله وإخلاصه ونزاهته .
فشكر السلطان على رعايته وعطفه ، وآثر العودة إلى العراق حيث الأهل .
ومع ذلك عزّ عليه مغادرة عاصمة الخلافة ، كما عزّ عليه مفارقة صحْبه الأخيار ، ومنهم بديع الزمان سعيد النورسي صاحب مؤلفات كليات رسائل النور .
واستمرّ الشيخ في تحصيله العلمي حتى غدا فقيهاً حنفياً متمكناً، يقول علي الطنطاوي عنه: (ولقد بقيت معه أكثر من سبعة أشهر، وكنت أجالسه كل يوم أربع ساعات أو خمساً على الأقل، كان يتكلم فيها، على الغالب، وحده، فما سمعت منه من الأحاديث المعادة أو الآراء المكررة إلا القليل).
وليس هذا بمستغرب على فقيه مجتهد بارز بين علماء المسلمين في عصره، فهو كبير علماء العراق، ومن كبار علماء المسلمين، ورجل الفتوى بينهم، ذاع صيته في الآفاق، وتعلّقت به القلوب، وكان مرجعاً كبيراً ترد إليه الأسئلة والاستفتاءات من سائر أرجاء العالم الإسلامي، ويجيب عليها، وقد أطلقوا عليه بحق، لقب (أبو حنيفة الصغير) لإحاطته بالمذهب، واستيعابه وإدراكه الذكي لدقائق المسائل الفقهية في هذا المذهب، حتى قال قائلهم: لو فُقد المذهب الحنفي، واندثرت كتبه، لأملاه الزهاوي عن ظهر قلب، من أول أبوابه حتى خواتيمها.
صفاته
كان غنياً، ولكن منظره يوحي بالفقر، فقد بلغت مساحة أراضي الشيخ الزراعية قبل صدور قانون الإصلاح الزراعي لسنة 1958م أكثر من (16,000) دونم من الأرض، ولكنه زاهد حقاً، وقلبه مسكون بمراقبة الله وذكر الآخرة، لا يفرح بما آتاه الله من مال فرحاً يطغيه وينسيه دينه، ولا يحزن إذا فقد ما أعطاه الله، ولا يقنط من رحمته.
كان في شبابه يؤثر الانعزال عن الناس، منفرداً بكتبه وتلاميذه وأولاده، فلما ترك العمل، وبلغ السن التي يستريح فيها أمثاله، انتفض انتفاضة، فإذا هو يرجع شاباً في جسده وفي همته، يختلط بالناس، في حيوية ونشاط، حتى بلغ به الأمر أن يرأس أكثر الجمعيات التي تأسست، وإذا هو يصلح مدارس الأوقاف، ثم يفتتح مدرسة ابتدائية، وثانوية خاصتين، وكان مضرب المثل في العفّة والورع والنزاهة والأمانة والصلابة في الحق، وكان فوق الشبهات، ولا يخشى في الله لومة لائم، ومواقفه والحوادث التي تدل على ذلك كثيرة وكثيرة جداً.
وكان كثير العبادة، يضع سجادة الصلاة على كتفه أينما ذهب، حتى لا يؤخر صلاة عن وقتها ولو لدقائق، وكان صديقه نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي المعروف، يدرس في الوقت نفسه في الكلية العسكرية في استانبول، ولذلك عندما كان يلتقيه كان يسأله ممازحاً: (أمجد أفندي، أين سجادتك؟).
إذا سمع المؤذن، قام من فوره إلى الصلاة، أينما كان وكيفما كان.. فهو يترك المائدة الملوكية، والحفلات الرسمية، ويبادر إلى الوضوء والصلاة.
وبلغ من حرصه على تعاليم إسلامه، أنه بعد انقلاب عبد الكريم قاسم عام 1958 تشاءم الشيخ منه، واستنكر المجزرة التي ارتكبها الانقلابيون بحق الأسرة المالكة، وصلّى صلاة الغائب عليهم ؛ لأنهم مسلمون، ولم يصلّ عليهم أحد، وخشي أن يصيبه الإثم إذا لم يصلّ عليهم، وتوقّع أن تصيب العراق كوارث تحصد الملايين، وقرر الهجرة إلى باكستان لتكون مستقراً له، وبعيداً عن الفتن التي كان يقودها الشيوعيون إبان حكم قاسم .
كان صريحاً جداً، لا يعرف المداهنة ولا المجاملة.ويكره تقليد الإفرنج، لكنه يقرأ ما يصل إليه من كتبهم، ويروي النافع من أقوالهم، ويضيق صدره بالحديث عنهم.
ولا يقول: هذا طيب، وهذا رديء، بل يأكل ما يقدَّم إليه ويحمد الله عليه. ولشدة ورعه، أنه لما شك في طعام فنادق الهند التي كان يزورها، بقي شهرين لا يأكل إلا الخبز والشاي، وهو المريض بالإمساك.
وكان لا يبالي مالاً ولا جاهاً ولا منصباً، ولا يستهويه مديح الملوك له، ولا تقديمهم إياه.
كان بركة العصر بحق، وفياً لإخوانه العلماء حيث كانوا، فكان يراسلهم، ويسأل عن أخبارهم، ويدافع عنهم، ويدعو لهم، وينصحهم، ويتدارس معهم شؤون المسلمين، كالشيخ الصواف، والسباعي، والطنطاوي، والكتاني، والصلاحي، وغيرهم.
وكان يحمل بين جنبيه نفساً عالية، وروحاً يجيش فيها حبُّ الجهاد في سبيل الله، وكان ورعاً من رجال الآخرة، ولم يكن من رجال الدنيا، فما كان يريدها، ولا يسعى إليها، ولا يحرص على ما يأتيه منها، والدنيا عنده مزرعة للآخرة، وكان يحب العمل الجماعي المنظم، ويكره الانزواء والانطواء والانعزال والعمل الفردي، والارتجال.
عطفه على الحيوان
لقد شمل الشيخ بحنانه وعطفه وحسن معاملته مَن وما حوله ، حتى حيوانات الدار ، حتى حيوانات الدار ، خُصوصاً القطط ، ولا يسمح أن يؤذيها أحد :
كان لديهم هرّ أليف سمّوه (دعبل) ، وكان يسرق اللحم من الطباخة ، فكانت تضربه ضرباً مبرحاً من غير علم الشيخ ، وسافر الشيخ خارج العراق في مهمة تخص المسلمين دامت شهراً ، ولاحظ أهل الشيخ أن الهرّ ترك البيت بمجرّد سفر الشيخ .
ولمّا عاد الشيخ ، فوجئ الجميع بالهرّ داخلاً معه ، يتمسّح بجبّته ! فصاحوا : ما أغرب هذا!! فسألهم الشيخ : ما هو الأمر الغريب؟
فقالوا : لقد عاد (دعبل) بعد أن تغيّب شهراً عن الدار ، ولم نرَه إلاّ الآن داخلاً بدخولك .
موقفه من الأُضحية
كان يقول : إني لأرجو الله تعالى أن يؤجرني عمّأ أحسّ به من تأثير وألم حينما أقف أمام أضحيتي والقصّاب يذبحها ، وأرى الدم يتفجر منها ، وأشاهد رفسها ، فأصبر على ذلك ، وأتجلّد وأتحمّل كل ذلك في سبيل الله وطمعاً في ثوابه .
وظائفه :
بعد عودته من الآستانة عام 1906 عُيِّن مفتياً في الأحساء، ثم عضواً في محكمة استئناف بغداد، ثم رئيس محكمة حقوق الموصل، ثم اعتزل الوظيفة، وعمل محامياً، بعد دخول القوات الإنجليزية إلى بغداد، ثم عاد إلى الوظيفة وعمل مستشاراً للحقوق في وزارة الأوقاف، وأستاذاً في كلية الحقوق العراقية، ثم رئيس مجلس التمييز الشرعي، وكان في الوقت نفسه يدرِّس في المدرسة السليمانية في بغداد، فقد كان التدريس، وتربية النشء على الفضيلة ومكارم الأخلاق أحبَّ إلى نفسه من سائر الوظائف والمناصب مهما علت، فعندما صدر أمر وزاري بعدم جواز الجمع بين مجلس التمييز الشرعي والتدريس، استقال من المجلس، وآثر عليه البقاء في التدريس.
ثم انتخب الشيخ رئيساً لرابطة علماء العراق، ورئيس جمعية إنقاذ فلسطين، ورئيس جمعية الآداب الإسلامية، ورئيس جمعية الأخوة الإسلامية ومنها تفرعت جمعية الأخت المسلمة التي رأستها بنته العالمة الفاضلة الأديبة: نهال أمجد الزهاوي. بل نستطيع أن نزعم أنه كان يرأس كل جمعية خيرية وعلمية وتربوية في العراق.
رحلاته :
كانت رحلات الشيخ لله، ومن أجل نصرة قضايا العرب والمسلمين، ولم تكن يوماً للراحة والاستجمام والسياحة، وقد سافر وحضر المؤتمرات من أجل فلسطين خاصة، وقضايا المسلمين عامة، كقضية الجزائر وثورتها المظفَّرة، سافر إلى بلاد الشام، والحجاز، ومصر، وباكستان والهند، وشمال أفريقيا، وإندونيسيا، وماليزيا مرات ومرات، كان فيها يلتقي العلماء العاملين، والزعماء الصالحين، ويشرح لهم المهمات التي ارتحل من أجلها، ويحثهم على العمل الجاد لإصلاح أحوال المسلمين، وعندما التقى الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى، بهره، وحرص على ملازمته، وأوصى صهره الداعية الكبير سعيد رمضان- رحمه الله – بمرافقته والإفادة منه، وقال له: (إذا أردت أن تنظر إلى صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر إلى الشيخ أمجد الزهاوي، فاستمع إلى حديثه، فإنه يحرك سواكن النفوس، ويبعث الهمة فيها، ويدفعها نحو الخير حيثما وُجد وحيثما كان).
تربية الأجيال :
كان الشيخ مشغولاً بأمور المسلمين، شغلته أوضاعهم، ومشكلاتهم، ومصائبهم عن نفسه وصحّته وأهله وماله، وقد أهمَّه ما هم عليه من ضعف، واستكانة، وخنوع، فانطلق يدعوهم إلى القوة، وتربية النشء عليها، وهذه لا تتأتّى إلا إذا رُبِّيت الناشئة على الإسلام .
ويرى أن هذه مهمة العلماء.. ومن أجل ذلك أسس جمعية التربية الإسلامية التي فتحت لها مدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية لتعليمهم وتربيتهم التربية الإسلامية السليمة، وكذلك كان يريد من جمعية الأخوة الإسلامية التي أسسها مع تلميذه الصواف، وكان رئيساً لها. لقد كانت تربية النشء من همومه الكبيرة التي لا تفارقه، يدعو إخوانه ويلحّ عليهم في هذه الوظيفة المهمة.
فلسطين :
كانت فلسطين همّه الكبير، وشغله الشاغل، أسس من أجلها الجمعيات وحضر المؤتمرات، وجمع المعونات، وجنّد المجاهدين، وأرسلهم إلى فلسطين، من أجل استنقاذها من براثن اليهود المحتلين، وحاضر من أجلها في العديد من الدول والمدن والجمعيات، وبيّن للمسلمين خطورة هذه القضية على العرب والمسلمين، ما لم يبادروا إلى العمل الجاد المكافئ لأعمال اليهود ومن يقف وراءهم من دول الاستكبار العالمي المعادية للإسلام والمسلمين.
حضر المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في ساحة المسجد الأقصى في 27 من رجب 1372هـ للنظر في قضية فلسطين، وشؤون إسلامية أخرى، وكان الداعي إلى المؤتمر الشيخ محمد عبد اللطيف دراز رئيس جبهة الكفاح لتحرير الشعوب الإسلامية، باسم الجمعية، التي مقرها في القاهرة، وهو مؤتمر شعبي مبرأ من وصمات السياسة التي فرّطت في حقوق المسلمين، وأكسبتهم عاراً لا تمحوه سوى الدماء.
ثم سافر الزهاوي والصواف إلى مصر والسعودية، والتقوا رجال الحركة الإسلامية، والعلماء، ثم عادا إلى الأردن، فالقدس، لاستقبال المدعوين قبل الموعد ببضعة أيام.
وقد حضر المؤتمر 75 شخصية إسلامية، وكان يكاتب الملوك من أجل هذه القضية، ومن أجل قضايا المسلمين الأخرى، فقد كتب إلى الملك سعود، والملك محمد الخامس، والملك إدريس السنوسي، والرئيس السوداني، والرئيس الباكستاني محمد أيوب خان، والملك فيصل وسواهم.
وكان يراسل ويلتقي رجال الإسلام، ويدعوهم إلى التعاقد على نصرة الإسلام والمسلمين حيث كانوا، وخاصة القضية الفلسطينية، ويدعوهم إلى الجد في العمل، والإخلاص فيه، وأن يكون هدفهم الأول استرجاع فلسطين العزيزة، وأن يبذلوا في سبيلها كل غال ونفيس، وكان يخاطب العاملين لنصرة فلسطين بقوله: (إخواني لا تهتموا بالمال، فإن الناس متى علموا صدق أعمالنا ونياتنا، فسوف يحملون المال على أطباق فوق رؤوسهم، ويأتون به إلينا).
وقد بدأ وإخوانه في تجهيز المتطوعين بجميع مستلزماتهم، وكلهم كانوا يطلبون الإسراع بالتوجه إلى ساحة الشرف، ليكون لهم الشرف في حماية أرض الإسلام من أرجاس اليهود ومن والاهم من أعداء الله والمسلمين.
غيرته :
كان يقول الشيخ أمجد يرحمه الله لجمعٍ من الشباب الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وخدمة دينه عام 1955م ، أنتم تقومون اليوم بعملٍ هو أفضل من عمل الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم ، لا أقول أنتم أفضل منهم ، بل هم أفضل منكم ، أنهم عملوا للإسلام وللإسلام دولة وقوة ، وأنتم اليوم تعملون للإسلام وليس للإسلام دولة وقوة ، ولو أني اليوم قاضٍ وجاء رجلٌ شاهد يقطع الليل والنهار بالعبادة وأنا أعلم انه لا يعمل اليوم للإسلام أرد شهادته وأعتبره فاسقاً .
ولو جاءني رجل صالح شاهداً وأنا قاضٍ فإذا علمت أنه لا يعمل للإسلام أرد شهادته وأعتبره فاسقاً .
ولقد سمع كلام الشيخ الجليل هذا أحد كبار العلماء والدعاة إلى الإسلام وهو الدكتور عبد الكريم زيدان وهو يقدر علم الشيخ وورعه حق قدره ، فقال هذه فتوى من الشيخ أمجد .
وفاته :
توفي رحمه الله قبل ظهر يوم 14 شعبان 1387هـ الموافق 17/11/1967م بعد أن ألقى درساً في الفقه على أحد الطلاب ، وكان يتلقى عليه العلم في داره بعد خروج بعض الأخوان ممن زاروه قبل صلاة الجمعة .
كان خبر وفاته صدمة كبيرة لكريمته نهال التي لازمته طوال حياته ، وكانت ابنته ، وتلميذته ، وأمينة سرّه ، تؤدي كل ما يطلبه منها ، وتسير وفق إرادته وبحسب فكره .
ولما رأت جنازته محمولة على الأكتاف وتسير وكأنها محمولة في الهواء ، سقطت مغشياً عليها ، ولم تستعد وعيها إلاّ بعد فترة .
وحضر الجنازة كل من تناهى إليه خبر نعيه، فقد أجمعت سائر فئات الشعب العراقي على محبته، فبكته وبكت فيه الرجولة والعلم والجهاد حتى آخر نفس من أنفاسه الطاهرة، رحمه الله رحمة واسعة.
.
http://dc153.4shared.com/img/105873104/dbcfc449/alzahawi.jpg
عبد الرحمن خليل إبراهيم الكبيسي
هناك رجال حياتهم خير، ومماتهم خير، فهم يبقون في ذاكرة الشعوب والأفراد ، يذكرون أولئك الأخيار الأبرار، ويتأسون بهم، فيستمر خيرهم زمناً طويلاً .
وكان الشيخ أمجد رحمه الله من هؤلاء الأخيار، فقد عاصر أخطر الحوادث في العالم الإسلامي والوطن العربي، وكان يؤدي دوره الكبير في هذه الحقبة الحرجة من تاريخ الإسلام والمسلمين، وتسجَّل أعماله ومواقفه بأحرف من نور، فقد عاش للإسلام وللإسلام، فكان حياً في قلوب الناس، وتجرد لله، فأحبّه الناس، ولا ينبغي إلا أن يكون حاله هكذا، فمن عمل لله، ولمصلحة المسلمين، وضحّى بعمره كله في سبيل هذين الهدفين العظيمين، أحبّه الله، وبارك عمله، وجعله محبوب الجماهير المؤمنة.
ولادته ونشأته :
وُلد الشيخ أمجد في مدينة بغداد سنة 1300هـ - 1883م ، قبل وفاة جدّه الشيخ محمد فيضي بستّ سنوات ، نشأ في أسرة علم وفضل ودين وإفتاء ، ذات مكانة اجتماعية مرموقة .
فأبوه الشيخ محمد سعيد مفتي بغداد، وجدّه الشيخ محمد فيضي كان مفتي بغداد أيضاً، وكان لجدّه مجلس في داره يتردد عليه عِليةُ القوم من علماء ورجال دولة كبار ، ووجهاء البلد ، وكثيراً ما كان الشيخ أمد وهو صبي يدخل مجلس جدّه ، فيداعبه الجدّ بقوله : (أمجد ، أتحبّ أباك أم جدك؟) .
نشأ الشيخ أمجد في رعاية جدّه المفتي الشيخ محمد فيضي الذي كان يحبّه ويربيه ويرعاه منذ طفولته، فقد كان يتوسم فيه النبوغ والذكاء، وكان جدّه يقول: (إن حفيدي أمجد أحبّ إليّ من ابني) .
وقد أحبه الجميع لذكائه ، وخُلُقه الحسن ، قيل إنه لم يكن يحبّ اللهو والعبث في صباه ، وكان يتميز بالاستقامة والجدّ منذ نعومة أظفاره ، كثير الاستفسار ، دائم التفكير .
تعليمه:
تلقّى تعليمه الأوّلي على يدي والده وجدّه، وكلاهما عالم فاضل، ومربّ حكيم، ثم انطلق إلى مجالس العلماء في بغداد، يستمع إليهم، ويحاورهم فيما يشكل عليه، ويستمعون إلى الفتى الذي غدا عالماً في الشريعة، فقيهاً، يقتنص الشوارد في الفتاوى والأحكام، ولغوياً أديباً، ثم رحل إلى الآستانة عاصمة الدولة العثمانية ، ودرس ستّ سنين في مدرسة النواب ، وكان ترتيبه الأول على طلاب صفه في سني الدراسة كافة ، إلى أن تخرّج فيها بتفوق عام 1906م ، ولا رُفع اسمه إلى السلطان عبد الحميد الثاني ، أهداه وسام الشرف مع ميدالية ، تقديراً لنبوغه وتفوّقه ، وعرض عليه أن يعيّنه عضواً في محكمة إستانبول ، مع العلم أن من شروط عضوية هذه المحكمة أن يكون الشخص من خريجي مدرسة النواب بالإضافة إلى خدمة ست سنوات في سلك القضاء ، وأن يكون ذا سمعة طيبة من حيث جدارته العلمية وعدله وإخلاصه ونزاهته .
فشكر السلطان على رعايته وعطفه ، وآثر العودة إلى العراق حيث الأهل .
ومع ذلك عزّ عليه مغادرة عاصمة الخلافة ، كما عزّ عليه مفارقة صحْبه الأخيار ، ومنهم بديع الزمان سعيد النورسي صاحب مؤلفات كليات رسائل النور .
واستمرّ الشيخ في تحصيله العلمي حتى غدا فقيهاً حنفياً متمكناً، يقول علي الطنطاوي عنه: (ولقد بقيت معه أكثر من سبعة أشهر، وكنت أجالسه كل يوم أربع ساعات أو خمساً على الأقل، كان يتكلم فيها، على الغالب، وحده، فما سمعت منه من الأحاديث المعادة أو الآراء المكررة إلا القليل).
وليس هذا بمستغرب على فقيه مجتهد بارز بين علماء المسلمين في عصره، فهو كبير علماء العراق، ومن كبار علماء المسلمين، ورجل الفتوى بينهم، ذاع صيته في الآفاق، وتعلّقت به القلوب، وكان مرجعاً كبيراً ترد إليه الأسئلة والاستفتاءات من سائر أرجاء العالم الإسلامي، ويجيب عليها، وقد أطلقوا عليه بحق، لقب (أبو حنيفة الصغير) لإحاطته بالمذهب، واستيعابه وإدراكه الذكي لدقائق المسائل الفقهية في هذا المذهب، حتى قال قائلهم: لو فُقد المذهب الحنفي، واندثرت كتبه، لأملاه الزهاوي عن ظهر قلب، من أول أبوابه حتى خواتيمها.
صفاته
كان غنياً، ولكن منظره يوحي بالفقر، فقد بلغت مساحة أراضي الشيخ الزراعية قبل صدور قانون الإصلاح الزراعي لسنة 1958م أكثر من (16,000) دونم من الأرض، ولكنه زاهد حقاً، وقلبه مسكون بمراقبة الله وذكر الآخرة، لا يفرح بما آتاه الله من مال فرحاً يطغيه وينسيه دينه، ولا يحزن إذا فقد ما أعطاه الله، ولا يقنط من رحمته.
كان في شبابه يؤثر الانعزال عن الناس، منفرداً بكتبه وتلاميذه وأولاده، فلما ترك العمل، وبلغ السن التي يستريح فيها أمثاله، انتفض انتفاضة، فإذا هو يرجع شاباً في جسده وفي همته، يختلط بالناس، في حيوية ونشاط، حتى بلغ به الأمر أن يرأس أكثر الجمعيات التي تأسست، وإذا هو يصلح مدارس الأوقاف، ثم يفتتح مدرسة ابتدائية، وثانوية خاصتين، وكان مضرب المثل في العفّة والورع والنزاهة والأمانة والصلابة في الحق، وكان فوق الشبهات، ولا يخشى في الله لومة لائم، ومواقفه والحوادث التي تدل على ذلك كثيرة وكثيرة جداً.
وكان كثير العبادة، يضع سجادة الصلاة على كتفه أينما ذهب، حتى لا يؤخر صلاة عن وقتها ولو لدقائق، وكان صديقه نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي المعروف، يدرس في الوقت نفسه في الكلية العسكرية في استانبول، ولذلك عندما كان يلتقيه كان يسأله ممازحاً: (أمجد أفندي، أين سجادتك؟).
إذا سمع المؤذن، قام من فوره إلى الصلاة، أينما كان وكيفما كان.. فهو يترك المائدة الملوكية، والحفلات الرسمية، ويبادر إلى الوضوء والصلاة.
وبلغ من حرصه على تعاليم إسلامه، أنه بعد انقلاب عبد الكريم قاسم عام 1958 تشاءم الشيخ منه، واستنكر المجزرة التي ارتكبها الانقلابيون بحق الأسرة المالكة، وصلّى صلاة الغائب عليهم ؛ لأنهم مسلمون، ولم يصلّ عليهم أحد، وخشي أن يصيبه الإثم إذا لم يصلّ عليهم، وتوقّع أن تصيب العراق كوارث تحصد الملايين، وقرر الهجرة إلى باكستان لتكون مستقراً له، وبعيداً عن الفتن التي كان يقودها الشيوعيون إبان حكم قاسم .
كان صريحاً جداً، لا يعرف المداهنة ولا المجاملة.ويكره تقليد الإفرنج، لكنه يقرأ ما يصل إليه من كتبهم، ويروي النافع من أقوالهم، ويضيق صدره بالحديث عنهم.
ولا يقول: هذا طيب، وهذا رديء، بل يأكل ما يقدَّم إليه ويحمد الله عليه. ولشدة ورعه، أنه لما شك في طعام فنادق الهند التي كان يزورها، بقي شهرين لا يأكل إلا الخبز والشاي، وهو المريض بالإمساك.
وكان لا يبالي مالاً ولا جاهاً ولا منصباً، ولا يستهويه مديح الملوك له، ولا تقديمهم إياه.
كان بركة العصر بحق، وفياً لإخوانه العلماء حيث كانوا، فكان يراسلهم، ويسأل عن أخبارهم، ويدافع عنهم، ويدعو لهم، وينصحهم، ويتدارس معهم شؤون المسلمين، كالشيخ الصواف، والسباعي، والطنطاوي، والكتاني، والصلاحي، وغيرهم.
وكان يحمل بين جنبيه نفساً عالية، وروحاً يجيش فيها حبُّ الجهاد في سبيل الله، وكان ورعاً من رجال الآخرة، ولم يكن من رجال الدنيا، فما كان يريدها، ولا يسعى إليها، ولا يحرص على ما يأتيه منها، والدنيا عنده مزرعة للآخرة، وكان يحب العمل الجماعي المنظم، ويكره الانزواء والانطواء والانعزال والعمل الفردي، والارتجال.
عطفه على الحيوان
لقد شمل الشيخ بحنانه وعطفه وحسن معاملته مَن وما حوله ، حتى حيوانات الدار ، حتى حيوانات الدار ، خُصوصاً القطط ، ولا يسمح أن يؤذيها أحد :
كان لديهم هرّ أليف سمّوه (دعبل) ، وكان يسرق اللحم من الطباخة ، فكانت تضربه ضرباً مبرحاً من غير علم الشيخ ، وسافر الشيخ خارج العراق في مهمة تخص المسلمين دامت شهراً ، ولاحظ أهل الشيخ أن الهرّ ترك البيت بمجرّد سفر الشيخ .
ولمّا عاد الشيخ ، فوجئ الجميع بالهرّ داخلاً معه ، يتمسّح بجبّته ! فصاحوا : ما أغرب هذا!! فسألهم الشيخ : ما هو الأمر الغريب؟
فقالوا : لقد عاد (دعبل) بعد أن تغيّب شهراً عن الدار ، ولم نرَه إلاّ الآن داخلاً بدخولك .
موقفه من الأُضحية
كان يقول : إني لأرجو الله تعالى أن يؤجرني عمّأ أحسّ به من تأثير وألم حينما أقف أمام أضحيتي والقصّاب يذبحها ، وأرى الدم يتفجر منها ، وأشاهد رفسها ، فأصبر على ذلك ، وأتجلّد وأتحمّل كل ذلك في سبيل الله وطمعاً في ثوابه .
وظائفه :
بعد عودته من الآستانة عام 1906 عُيِّن مفتياً في الأحساء، ثم عضواً في محكمة استئناف بغداد، ثم رئيس محكمة حقوق الموصل، ثم اعتزل الوظيفة، وعمل محامياً، بعد دخول القوات الإنجليزية إلى بغداد، ثم عاد إلى الوظيفة وعمل مستشاراً للحقوق في وزارة الأوقاف، وأستاذاً في كلية الحقوق العراقية، ثم رئيس مجلس التمييز الشرعي، وكان في الوقت نفسه يدرِّس في المدرسة السليمانية في بغداد، فقد كان التدريس، وتربية النشء على الفضيلة ومكارم الأخلاق أحبَّ إلى نفسه من سائر الوظائف والمناصب مهما علت، فعندما صدر أمر وزاري بعدم جواز الجمع بين مجلس التمييز الشرعي والتدريس، استقال من المجلس، وآثر عليه البقاء في التدريس.
ثم انتخب الشيخ رئيساً لرابطة علماء العراق، ورئيس جمعية إنقاذ فلسطين، ورئيس جمعية الآداب الإسلامية، ورئيس جمعية الأخوة الإسلامية ومنها تفرعت جمعية الأخت المسلمة التي رأستها بنته العالمة الفاضلة الأديبة: نهال أمجد الزهاوي. بل نستطيع أن نزعم أنه كان يرأس كل جمعية خيرية وعلمية وتربوية في العراق.
رحلاته :
كانت رحلات الشيخ لله، ومن أجل نصرة قضايا العرب والمسلمين، ولم تكن يوماً للراحة والاستجمام والسياحة، وقد سافر وحضر المؤتمرات من أجل فلسطين خاصة، وقضايا المسلمين عامة، كقضية الجزائر وثورتها المظفَّرة، سافر إلى بلاد الشام، والحجاز، ومصر، وباكستان والهند، وشمال أفريقيا، وإندونيسيا، وماليزيا مرات ومرات، كان فيها يلتقي العلماء العاملين، والزعماء الصالحين، ويشرح لهم المهمات التي ارتحل من أجلها، ويحثهم على العمل الجاد لإصلاح أحوال المسلمين، وعندما التقى الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى، بهره، وحرص على ملازمته، وأوصى صهره الداعية الكبير سعيد رمضان- رحمه الله – بمرافقته والإفادة منه، وقال له: (إذا أردت أن تنظر إلى صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر إلى الشيخ أمجد الزهاوي، فاستمع إلى حديثه، فإنه يحرك سواكن النفوس، ويبعث الهمة فيها، ويدفعها نحو الخير حيثما وُجد وحيثما كان).
تربية الأجيال :
كان الشيخ مشغولاً بأمور المسلمين، شغلته أوضاعهم، ومشكلاتهم، ومصائبهم عن نفسه وصحّته وأهله وماله، وقد أهمَّه ما هم عليه من ضعف، واستكانة، وخنوع، فانطلق يدعوهم إلى القوة، وتربية النشء عليها، وهذه لا تتأتّى إلا إذا رُبِّيت الناشئة على الإسلام .
ويرى أن هذه مهمة العلماء.. ومن أجل ذلك أسس جمعية التربية الإسلامية التي فتحت لها مدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية لتعليمهم وتربيتهم التربية الإسلامية السليمة، وكذلك كان يريد من جمعية الأخوة الإسلامية التي أسسها مع تلميذه الصواف، وكان رئيساً لها. لقد كانت تربية النشء من همومه الكبيرة التي لا تفارقه، يدعو إخوانه ويلحّ عليهم في هذه الوظيفة المهمة.
فلسطين :
كانت فلسطين همّه الكبير، وشغله الشاغل، أسس من أجلها الجمعيات وحضر المؤتمرات، وجمع المعونات، وجنّد المجاهدين، وأرسلهم إلى فلسطين، من أجل استنقاذها من براثن اليهود المحتلين، وحاضر من أجلها في العديد من الدول والمدن والجمعيات، وبيّن للمسلمين خطورة هذه القضية على العرب والمسلمين، ما لم يبادروا إلى العمل الجاد المكافئ لأعمال اليهود ومن يقف وراءهم من دول الاستكبار العالمي المعادية للإسلام والمسلمين.
حضر المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في ساحة المسجد الأقصى في 27 من رجب 1372هـ للنظر في قضية فلسطين، وشؤون إسلامية أخرى، وكان الداعي إلى المؤتمر الشيخ محمد عبد اللطيف دراز رئيس جبهة الكفاح لتحرير الشعوب الإسلامية، باسم الجمعية، التي مقرها في القاهرة، وهو مؤتمر شعبي مبرأ من وصمات السياسة التي فرّطت في حقوق المسلمين، وأكسبتهم عاراً لا تمحوه سوى الدماء.
ثم سافر الزهاوي والصواف إلى مصر والسعودية، والتقوا رجال الحركة الإسلامية، والعلماء، ثم عادا إلى الأردن، فالقدس، لاستقبال المدعوين قبل الموعد ببضعة أيام.
وقد حضر المؤتمر 75 شخصية إسلامية، وكان يكاتب الملوك من أجل هذه القضية، ومن أجل قضايا المسلمين الأخرى، فقد كتب إلى الملك سعود، والملك محمد الخامس، والملك إدريس السنوسي، والرئيس السوداني، والرئيس الباكستاني محمد أيوب خان، والملك فيصل وسواهم.
وكان يراسل ويلتقي رجال الإسلام، ويدعوهم إلى التعاقد على نصرة الإسلام والمسلمين حيث كانوا، وخاصة القضية الفلسطينية، ويدعوهم إلى الجد في العمل، والإخلاص فيه، وأن يكون هدفهم الأول استرجاع فلسطين العزيزة، وأن يبذلوا في سبيلها كل غال ونفيس، وكان يخاطب العاملين لنصرة فلسطين بقوله: (إخواني لا تهتموا بالمال، فإن الناس متى علموا صدق أعمالنا ونياتنا، فسوف يحملون المال على أطباق فوق رؤوسهم، ويأتون به إلينا).
وقد بدأ وإخوانه في تجهيز المتطوعين بجميع مستلزماتهم، وكلهم كانوا يطلبون الإسراع بالتوجه إلى ساحة الشرف، ليكون لهم الشرف في حماية أرض الإسلام من أرجاس اليهود ومن والاهم من أعداء الله والمسلمين.
غيرته :
كان يقول الشيخ أمجد يرحمه الله لجمعٍ من الشباب الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وخدمة دينه عام 1955م ، أنتم تقومون اليوم بعملٍ هو أفضل من عمل الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم ، لا أقول أنتم أفضل منهم ، بل هم أفضل منكم ، أنهم عملوا للإسلام وللإسلام دولة وقوة ، وأنتم اليوم تعملون للإسلام وليس للإسلام دولة وقوة ، ولو أني اليوم قاضٍ وجاء رجلٌ شاهد يقطع الليل والنهار بالعبادة وأنا أعلم انه لا يعمل اليوم للإسلام أرد شهادته وأعتبره فاسقاً .
ولو جاءني رجل صالح شاهداً وأنا قاضٍ فإذا علمت أنه لا يعمل للإسلام أرد شهادته وأعتبره فاسقاً .
ولقد سمع كلام الشيخ الجليل هذا أحد كبار العلماء والدعاة إلى الإسلام وهو الدكتور عبد الكريم زيدان وهو يقدر علم الشيخ وورعه حق قدره ، فقال هذه فتوى من الشيخ أمجد .
وفاته :
توفي رحمه الله قبل ظهر يوم 14 شعبان 1387هـ الموافق 17/11/1967م بعد أن ألقى درساً في الفقه على أحد الطلاب ، وكان يتلقى عليه العلم في داره بعد خروج بعض الأخوان ممن زاروه قبل صلاة الجمعة .
كان خبر وفاته صدمة كبيرة لكريمته نهال التي لازمته طوال حياته ، وكانت ابنته ، وتلميذته ، وأمينة سرّه ، تؤدي كل ما يطلبه منها ، وتسير وفق إرادته وبحسب فكره .
ولما رأت جنازته محمولة على الأكتاف وتسير وكأنها محمولة في الهواء ، سقطت مغشياً عليها ، ولم تستعد وعيها إلاّ بعد فترة .
وحضر الجنازة كل من تناهى إليه خبر نعيه، فقد أجمعت سائر فئات الشعب العراقي على محبته، فبكته وبكت فيه الرجولة والعلم والجهاد حتى آخر نفس من أنفاسه الطاهرة، رحمه الله رحمة واسعة.
.