علي العراقي
12-31-2011, 08:10 PM
خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار
في حُنين
مثلما كان سيد الأنبياء (صلى الله عليه وسلم ) يحل أعضل المسائل بكل سهولة ويسر، ويفك عقد أعقد المشاكل بأسرع وقت ودون أي تأخير؛ كان كذلك يحتفظ بهدوئه ورباطة جأشه أمام المشكلات والحوادث الفجائية، فيتعرض لتلك المشكلة ويجد لها الحل الملائم في أقصر وقت. فإن دققتَ كل حركة من حركاته وكل خطوة من خطواته، وكل جملة بل كل كلمة من كلماته وجدتَ أنها جميعاً حُسبت بحساب دقيق ووُزنت بميزان حساس جدا، وأنها كانت في موضعها المناسب وفي وقتها الملائم تماماً. فلو كان هناك أي خطأ في التوقيت، أو لو أهملت أي جملة من كلامه لما كان في الإمكان تحقيق كل هذا النجاح وهذا التوفيق. علماً بأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) لم يطصنع حركاته هذه ولم يكن له الوقت الكافي للتفكير فيها طويلا. إذن، فكيف يفسر مثل هذه الحوادث إن لم يكن صاحب فطنة خارقة..؟ أجل، كان نبيا، وكان منطقه منطق الأنبياء... يفكر كنبي، ويتصرف كنبي فلا يعرف الفشلُ إليه سبيلاً. بل لا يعرف إلا النجاح في أعلى ذروته، فلا يمكن لأحد أن يصل إلى ما وصل إليه أبدا. وهناك الكثير من الحوادث التي تبرهن على هذا ولقد اخترنا منها حادثة واحدة نظراً لأهميتها.
دارت معركة حُنين بعد فتح مكة، وقام الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بتوزيع أكثر غنائمها على الأشخاص الذين أراد تأليف قلوبهم، وكان معظم هؤلاء من أشراف القوم ورؤساء القبائل ممن لهم كلمة مسموعة، وكان هذا أمراً ضرورياً لتأليف قلوب هؤلاء بعد فتح مكة لكي تستمر الفتوحات ولا يتوقف زخمها، لأن قسماً من هؤلاء أسلموا دون رغبة كافية، فإن لم تُطَيَّب قلوبهم وإن لم تتم إذابة الجليد فيها لكان من المحتمل أن يكون خطرهم أشد من خطرهم وهم في مرحلة الكفر فيُضروا بالإسلام ضرراً بالغاً ويكونوا خطراً عليه. ومن ثم فإن قيام الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بخطوة تأليف قلوبهم كان نتيجة فطنته عليه الصلاة والسلام. كانت الغنائم المفروض تقسيمها آنذاك تبلغ 6000 أسير و24000 ناقة و 40000 من الماشية و 4000 أقة من الذهب والفضة.
وعند توزيع هذه الغنائم خص الرسول (صلى الله عليه وسلم ) أهل مكة بمعظمها وأعطى بعض الأشخاص عطايا كبيرة. وهؤلاء كانوا -كما قلنا- من الذين يريد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) تأليف قلوبهم واستمالتها إلى الإسلام، وكان هذا شيئاً مفيداً وضرورياً؛ فمثلاً أعطى آل أبي سفيان 300 ناقة و120 أقة من الفضة، وأعطى حَكيم بن حِزَام 300 ناقة ونصير بن حارث 100 ناقة، وقَيْس بن عَدِيّ 100 ناقة وصفوان بن أمية 100 ناقة وحويطب بن عبد العُزَّى 100 ناقة والأقرع بن حابِس 100 ناقة وعيينة بن حصن 100 بعير ومالك بن عوف 100 ناقة. وعدا هؤلاء خص بعض الرجال المهمين بـ(40-50) ناقة.
كانت الغنائم المقسمة عبارة عن نوق أو ذهب أو فضة... ولكن الغاية كانت منحصرة في الذود عن الدين وتأليف القلوب وتقريبها للإسلام، ذلك لأن فتح مكة كان قريب العهد وكانت بعض قلوب أهل مكة منكسرة، لقد كان شرف مكة في نظر أهلها كل شيء ، لذا فقد قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) باستغلال فرصة هذه الغنائم أفضل استغلال لجبر الخواطر ومداواة الجروح.
غير أن هذا التقسيم أثار حفيظة بعض الأنصار ولاسيما الشباب منهم حتى قال بعضهم: ( يغفر الله لرسول الله (صلى الله عليه وسلم ) يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم). لقد كان هذا الكلام بداية لفتنة... لم يكن من المهم أن قائليه كانوا قِلَّة. فلو لم توقف هذه الفتنة لاتسعت وانتشرت كانتشار النار في الهشيم... كما أن أي اعتراض على النبي (صلى الله عليه وسلم ) يحبط عمل صاحبه ويجرده من دينه وإيمانه ويجعله من الخاسرين خسراناً أبديا، وهذه المصيبة لعمري أعظم من مصيبة الفتنة.
قام سعد بن عبادة على الفور بإخبار رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) بالأمر. ومع أن قائلي هذا الكلام كانوا من الشباب، إذ لم يخطر شيء من ذلك على عقول المسنين، إلا أنه كان من الضروري إطفاء هذه الفتنة بسرعة وإلا اتسعت. أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) أن يجتمع الأنصار في مكان وحدهم دون غيرهم... ثم خطب فيهم الرسول (صلى الله عليه وسلم ) الخطبة التالية.
«يا معشر الأنصار! مقالةٌ بلغتني عنكم وَجِدَةٌ وجدتموها عليّ في أنفسكم.»
هذه البداية بداية مذهلة من الناحية النفسية للحاضرين؛ ذلك لأن أحداً لم يكن يتوقع هذا الكلام، فمعظمهم لم يكن يعرف سبب الاجتماع، لذا كانت هذه الجملة بمثابة لطمة فجائية ثابت معها النفوس إلى رشدها. ولم يكن في وسع الصحابة حينئذ أن يعترضوا على رسول الله... كل ما هنالك أنه كان من الممكن حدوث غضاضة في بعض النفوس وكان بإمكان النبي (صلى الله عليه وسلم ) إزالتها.
أحدثت هذه الجملة الأولى لرسول الله (صلى الله عليه وسلم ) تأثيراً كبيراً في قلوب الذين شعروا من قبل بالغضاضة... إذ لَـمُّوا شتات نفوسهم واتجهت عيونهم إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، فلا ريب أن ما سيقوله بعد ذلك بالغ الأهمية. كان على رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) أن يديم هذا الزخم حتى يصل إلى النتيجة المرجوة، فقال (صلى الله عليه وسلم ): «ألم آتكم ضُلاّلاً فهداكم الله، وعالةً فأغناكم الله وأعداءً فألَّف الله بين قلوبكم؟.»
فقال الأنصار: بلى يا رسول الله... اَلْمَنُّ لله ورسوله.
عند ذلك حوَّل رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) دفة الحديث... فبعد أن ثارت المشاعر وهاجت العواطف بدأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) يتكلم باسم الأنصار ويقول بما كان يمكن أن يقوله الأنصار في أسوأ الظروف، علماً بأن أيّ مسلم لو قال مثل هذا الكلام لنبيه لحبط عمله.
استمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) في خطابه فقال:
«ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟» قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ورسوله. قال: «واللهِ لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريداً فأويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمَّنّاك، ومخذولاً فنصرناك»
فقالوا: الْمَنُّ لله ولرسوله.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ):
«أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألَّفْتُ بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رِحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله (صلى الله عليه وسلم ) إلى رحالكم؟ فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شِعْباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امرءاً من الأنصار. اللّهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.»
فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربّاً ورسوله قسماً ثم انصرف وتفرقوا.
هذه الخطبة القصيرة المركزة أطفأت فتنة كادت تقع، وكسبت قلوب الأنصار مرة أخرى، ولا أظن أنه يمكن إيضاح هذا الموقف إلا بالرجوع إلى صفة "الفطنة" مرة أخرى.
فلتقوموا الآن بتحليل هذا الخطاب جملة جملة وكلمة كلمة، وضعوا التوقيت في نظر الاعتبار، ثم قوموا بقياس المسافة التي قطعتها أرواح الصحابة ونفوسهم اعتباراً من الجملة الأولى وانتهاء بالجملة الأخيرة. وضعوا أيديكم على ضمائركم وقولوا بالله أيستطيع أحد -غير رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم ) - القيام بإلقاء مثل هذا الخطاب الرائع بصورة ارتجالية ودون تفكير مسبق أو تحضير مسبق؟ إن صاحب كل ضمير حي يسمع الجواب نفسه في أعماق وجدانه بشرط أن يطالع الأمور ويحللها بصورة حيادية وموضوعية وألاّ يكون معانداً أو صاحب حكم مسبق.
ولنحلل سويا هذا الخطاب بشكل موجز، ولندع التحليل التفصيلي له لعلماء النفس وعلماء الاجتماع في المستقبل، لكي يفسروا جانبا آخر من جوانب الفطنة النبوية على ضوء علمي النفس والاجتماع.
أولاً: كان هذا الخطاب موجهاً للانصار فقط، ذلك لأنه لم يكن للمهاجرين ولا لأهل مكة أي دور أو ضلع في هذه الحادثة التي استوجبت هذا الخطاب؛ فلم يكن هذا الخطاب ليجذب انتباههم أو يعنيهم في شيء؛ لذا، فوجودهم بين المستمعين كان سيَحُول دون حصول التركيز المطلوب للاهتمام لدى الأنصار، علماً أن هذا التركيز كان مهماً آنذاك.
ثانياً: أن السماح للأنصار فقط بحضور ذلك الاجتماع أرضاهم نفسياً وجعلهم يشعرون بالفخر وبالمباهاة، فانفرادهم في اجتماع مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) كان له تأثير نفسي إيجابي عليهم.
ثالثاً: كان من الممكن أن يكون في الخطاب ما يمس -ولو قليلاً- مشاعر أهل مكة أو مشاعر المهاجرين مثل تعبير: «أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير.»
رابعاً: في ختام الخطاب كان هناك مدح خاص للأنصار ودعاء لهم. وكان من الممكن أن يجد المهاجرون -وهم الذين تركوا أموالهم وديارهم في سبيل الله- غضاضة من عدم اشتراكهم مع الأنصار في مثل هذا المدح وهذا الدعاء.
خامساً: هذا الخطاب خطاب رائع من ناحية الفصاحة والبلاغة، أي خطاب رائع إن نظرنا إليه من زاوية الأدب والبلاغة فحسب.
سادساً: في بداية الخطاب كانت هناك هِزة لمشاعر المستمعين، ثم ترضية لنفوسهم وتسكين لها. وعندما تكلم باسمهم جعلهم في موقف المستمع والمنصت فقط وهذا شيء رائع.
سابعاً: إن أسلوب الخطاب الذي كان ينضح بالإخلاص الكامل والصدق الخالص والتجرد السامي، والخالي من اللعب بالكلمات أو التزويق المصطنع لم يبق للمستمعين قول أي شيء آخر. وهذا شيء مهم جداًّ من ناحية الوصول إلى النتيجة المطلوبة.
ثامناً: إن إلقاء الخطاب بشكل ارتجالي ودون تفكير مسبق أو تهيئة مسبقة زاد من التأثير الإيجابي له.
هذه الأمور وأمور أخرى أيضاً قد تخطر على البال ترينا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) لم يكن يحل المشاكل والمصاعب تبعاً لهواه الشخصي، بل كان الوحي والإلهام والفطنة المهداة له من رب العالمين.
عن : كتاب النور الخالد ، للاستاذ محمد فتح الله كولن
في حُنين
مثلما كان سيد الأنبياء (صلى الله عليه وسلم ) يحل أعضل المسائل بكل سهولة ويسر، ويفك عقد أعقد المشاكل بأسرع وقت ودون أي تأخير؛ كان كذلك يحتفظ بهدوئه ورباطة جأشه أمام المشكلات والحوادث الفجائية، فيتعرض لتلك المشكلة ويجد لها الحل الملائم في أقصر وقت. فإن دققتَ كل حركة من حركاته وكل خطوة من خطواته، وكل جملة بل كل كلمة من كلماته وجدتَ أنها جميعاً حُسبت بحساب دقيق ووُزنت بميزان حساس جدا، وأنها كانت في موضعها المناسب وفي وقتها الملائم تماماً. فلو كان هناك أي خطأ في التوقيت، أو لو أهملت أي جملة من كلامه لما كان في الإمكان تحقيق كل هذا النجاح وهذا التوفيق. علماً بأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) لم يطصنع حركاته هذه ولم يكن له الوقت الكافي للتفكير فيها طويلا. إذن، فكيف يفسر مثل هذه الحوادث إن لم يكن صاحب فطنة خارقة..؟ أجل، كان نبيا، وكان منطقه منطق الأنبياء... يفكر كنبي، ويتصرف كنبي فلا يعرف الفشلُ إليه سبيلاً. بل لا يعرف إلا النجاح في أعلى ذروته، فلا يمكن لأحد أن يصل إلى ما وصل إليه أبدا. وهناك الكثير من الحوادث التي تبرهن على هذا ولقد اخترنا منها حادثة واحدة نظراً لأهميتها.
دارت معركة حُنين بعد فتح مكة، وقام الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بتوزيع أكثر غنائمها على الأشخاص الذين أراد تأليف قلوبهم، وكان معظم هؤلاء من أشراف القوم ورؤساء القبائل ممن لهم كلمة مسموعة، وكان هذا أمراً ضرورياً لتأليف قلوب هؤلاء بعد فتح مكة لكي تستمر الفتوحات ولا يتوقف زخمها، لأن قسماً من هؤلاء أسلموا دون رغبة كافية، فإن لم تُطَيَّب قلوبهم وإن لم تتم إذابة الجليد فيها لكان من المحتمل أن يكون خطرهم أشد من خطرهم وهم في مرحلة الكفر فيُضروا بالإسلام ضرراً بالغاً ويكونوا خطراً عليه. ومن ثم فإن قيام الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بخطوة تأليف قلوبهم كان نتيجة فطنته عليه الصلاة والسلام. كانت الغنائم المفروض تقسيمها آنذاك تبلغ 6000 أسير و24000 ناقة و 40000 من الماشية و 4000 أقة من الذهب والفضة.
وعند توزيع هذه الغنائم خص الرسول (صلى الله عليه وسلم ) أهل مكة بمعظمها وأعطى بعض الأشخاص عطايا كبيرة. وهؤلاء كانوا -كما قلنا- من الذين يريد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) تأليف قلوبهم واستمالتها إلى الإسلام، وكان هذا شيئاً مفيداً وضرورياً؛ فمثلاً أعطى آل أبي سفيان 300 ناقة و120 أقة من الفضة، وأعطى حَكيم بن حِزَام 300 ناقة ونصير بن حارث 100 ناقة، وقَيْس بن عَدِيّ 100 ناقة وصفوان بن أمية 100 ناقة وحويطب بن عبد العُزَّى 100 ناقة والأقرع بن حابِس 100 ناقة وعيينة بن حصن 100 بعير ومالك بن عوف 100 ناقة. وعدا هؤلاء خص بعض الرجال المهمين بـ(40-50) ناقة.
كانت الغنائم المقسمة عبارة عن نوق أو ذهب أو فضة... ولكن الغاية كانت منحصرة في الذود عن الدين وتأليف القلوب وتقريبها للإسلام، ذلك لأن فتح مكة كان قريب العهد وكانت بعض قلوب أهل مكة منكسرة، لقد كان شرف مكة في نظر أهلها كل شيء ، لذا فقد قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) باستغلال فرصة هذه الغنائم أفضل استغلال لجبر الخواطر ومداواة الجروح.
غير أن هذا التقسيم أثار حفيظة بعض الأنصار ولاسيما الشباب منهم حتى قال بعضهم: ( يغفر الله لرسول الله (صلى الله عليه وسلم ) يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم). لقد كان هذا الكلام بداية لفتنة... لم يكن من المهم أن قائليه كانوا قِلَّة. فلو لم توقف هذه الفتنة لاتسعت وانتشرت كانتشار النار في الهشيم... كما أن أي اعتراض على النبي (صلى الله عليه وسلم ) يحبط عمل صاحبه ويجرده من دينه وإيمانه ويجعله من الخاسرين خسراناً أبديا، وهذه المصيبة لعمري أعظم من مصيبة الفتنة.
قام سعد بن عبادة على الفور بإخبار رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) بالأمر. ومع أن قائلي هذا الكلام كانوا من الشباب، إذ لم يخطر شيء من ذلك على عقول المسنين، إلا أنه كان من الضروري إطفاء هذه الفتنة بسرعة وإلا اتسعت. أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) أن يجتمع الأنصار في مكان وحدهم دون غيرهم... ثم خطب فيهم الرسول (صلى الله عليه وسلم ) الخطبة التالية.
«يا معشر الأنصار! مقالةٌ بلغتني عنكم وَجِدَةٌ وجدتموها عليّ في أنفسكم.»
هذه البداية بداية مذهلة من الناحية النفسية للحاضرين؛ ذلك لأن أحداً لم يكن يتوقع هذا الكلام، فمعظمهم لم يكن يعرف سبب الاجتماع، لذا كانت هذه الجملة بمثابة لطمة فجائية ثابت معها النفوس إلى رشدها. ولم يكن في وسع الصحابة حينئذ أن يعترضوا على رسول الله... كل ما هنالك أنه كان من الممكن حدوث غضاضة في بعض النفوس وكان بإمكان النبي (صلى الله عليه وسلم ) إزالتها.
أحدثت هذه الجملة الأولى لرسول الله (صلى الله عليه وسلم ) تأثيراً كبيراً في قلوب الذين شعروا من قبل بالغضاضة... إذ لَـمُّوا شتات نفوسهم واتجهت عيونهم إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، فلا ريب أن ما سيقوله بعد ذلك بالغ الأهمية. كان على رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) أن يديم هذا الزخم حتى يصل إلى النتيجة المرجوة، فقال (صلى الله عليه وسلم ): «ألم آتكم ضُلاّلاً فهداكم الله، وعالةً فأغناكم الله وأعداءً فألَّف الله بين قلوبكم؟.»
فقال الأنصار: بلى يا رسول الله... اَلْمَنُّ لله ورسوله.
عند ذلك حوَّل رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) دفة الحديث... فبعد أن ثارت المشاعر وهاجت العواطف بدأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) يتكلم باسم الأنصار ويقول بما كان يمكن أن يقوله الأنصار في أسوأ الظروف، علماً بأن أيّ مسلم لو قال مثل هذا الكلام لنبيه لحبط عمله.
استمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) في خطابه فقال:
«ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟» قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ورسوله. قال: «واللهِ لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريداً فأويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمَّنّاك، ومخذولاً فنصرناك»
فقالوا: الْمَنُّ لله ولرسوله.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ):
«أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألَّفْتُ بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رِحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله (صلى الله عليه وسلم ) إلى رحالكم؟ فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شِعْباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امرءاً من الأنصار. اللّهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.»
فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربّاً ورسوله قسماً ثم انصرف وتفرقوا.
هذه الخطبة القصيرة المركزة أطفأت فتنة كادت تقع، وكسبت قلوب الأنصار مرة أخرى، ولا أظن أنه يمكن إيضاح هذا الموقف إلا بالرجوع إلى صفة "الفطنة" مرة أخرى.
فلتقوموا الآن بتحليل هذا الخطاب جملة جملة وكلمة كلمة، وضعوا التوقيت في نظر الاعتبار، ثم قوموا بقياس المسافة التي قطعتها أرواح الصحابة ونفوسهم اعتباراً من الجملة الأولى وانتهاء بالجملة الأخيرة. وضعوا أيديكم على ضمائركم وقولوا بالله أيستطيع أحد -غير رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم ) - القيام بإلقاء مثل هذا الخطاب الرائع بصورة ارتجالية ودون تفكير مسبق أو تحضير مسبق؟ إن صاحب كل ضمير حي يسمع الجواب نفسه في أعماق وجدانه بشرط أن يطالع الأمور ويحللها بصورة حيادية وموضوعية وألاّ يكون معانداً أو صاحب حكم مسبق.
ولنحلل سويا هذا الخطاب بشكل موجز، ولندع التحليل التفصيلي له لعلماء النفس وعلماء الاجتماع في المستقبل، لكي يفسروا جانبا آخر من جوانب الفطنة النبوية على ضوء علمي النفس والاجتماع.
أولاً: كان هذا الخطاب موجهاً للانصار فقط، ذلك لأنه لم يكن للمهاجرين ولا لأهل مكة أي دور أو ضلع في هذه الحادثة التي استوجبت هذا الخطاب؛ فلم يكن هذا الخطاب ليجذب انتباههم أو يعنيهم في شيء؛ لذا، فوجودهم بين المستمعين كان سيَحُول دون حصول التركيز المطلوب للاهتمام لدى الأنصار، علماً أن هذا التركيز كان مهماً آنذاك.
ثانياً: أن السماح للأنصار فقط بحضور ذلك الاجتماع أرضاهم نفسياً وجعلهم يشعرون بالفخر وبالمباهاة، فانفرادهم في اجتماع مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) كان له تأثير نفسي إيجابي عليهم.
ثالثاً: كان من الممكن أن يكون في الخطاب ما يمس -ولو قليلاً- مشاعر أهل مكة أو مشاعر المهاجرين مثل تعبير: «أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير.»
رابعاً: في ختام الخطاب كان هناك مدح خاص للأنصار ودعاء لهم. وكان من الممكن أن يجد المهاجرون -وهم الذين تركوا أموالهم وديارهم في سبيل الله- غضاضة من عدم اشتراكهم مع الأنصار في مثل هذا المدح وهذا الدعاء.
خامساً: هذا الخطاب خطاب رائع من ناحية الفصاحة والبلاغة، أي خطاب رائع إن نظرنا إليه من زاوية الأدب والبلاغة فحسب.
سادساً: في بداية الخطاب كانت هناك هِزة لمشاعر المستمعين، ثم ترضية لنفوسهم وتسكين لها. وعندما تكلم باسمهم جعلهم في موقف المستمع والمنصت فقط وهذا شيء رائع.
سابعاً: إن أسلوب الخطاب الذي كان ينضح بالإخلاص الكامل والصدق الخالص والتجرد السامي، والخالي من اللعب بالكلمات أو التزويق المصطنع لم يبق للمستمعين قول أي شيء آخر. وهذا شيء مهم جداًّ من ناحية الوصول إلى النتيجة المطلوبة.
ثامناً: إن إلقاء الخطاب بشكل ارتجالي ودون تفكير مسبق أو تهيئة مسبقة زاد من التأثير الإيجابي له.
هذه الأمور وأمور أخرى أيضاً قد تخطر على البال ترينا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) لم يكن يحل المشاكل والمصاعب تبعاً لهواه الشخصي، بل كان الوحي والإلهام والفطنة المهداة له من رب العالمين.
عن : كتاب النور الخالد ، للاستاذ محمد فتح الله كولن