#1  
قديم 09-27-2009, 12:23 PM
الصورة الرمزية رسائل النور
رسائل النور رسائل النور غير متواجد حالياً
مـديـر عـــام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
المشاركات: 3,155
إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى رسائل النور
Post علمنا آخرتنا ( بديع الزمان سعيد النورسي )

(ثمرة اينعت في يوم جمعة من ايام سجن دنيزلي)

بسم الله الرحمن الرحيم


علمنا آخرتنا
بديع الزمان : سعيد النورسي يرحمه الله


(وما أمرُ الساعةِ إلاّ كَلَمحِ البصر أو هو أقرب) (النحل : 77)
(ما خلقكم ولا بعثُكم إلاّ كنفسٍ واحدة) (لقمان : 28)
(فانظر إلى آثار رحمتِ الله كيفَ يُحيي الارضَ بعد موتها إن ذلكَ لَمُحيي الموتى وهو على كل شئ قدير) (الروم : 50)
كنت قد القيت ذات يوم درسا في "قسطموني" بلغة العلوم المدرسية على بعض طلبة الثانوية الذين جاؤا يسألونني: "عرّفنا بخالقنا" كما جاء في المسألة السادسة المذكورة آنفاً، واطلع عليها بعض من استطاع الاتصال معي من المسجونين في "دنيزلي" فحصل لديهم من الاطمئنان الايماني والقناعة التامة ماجعلهم يستشعرون شوقاً غامراً نحو الآخرة، فبادروا بالقول: "علمنا آخرتنا ايضاً علما كاملا، لاتضلّنا بعده انفسُنا وشياطين العصر، فتلقي بنا الى مثل هذه السجون !". ونزولاً عند طلب هؤلاء واسعافاً لحاجة طلبة رسائل النور في سجن "دنيزلي" وللرغبة الملحة من اولئك الذين طالعوا "المسألة السادسة"، فقد رأيت لزاما علىّ أن ابين خلاصة موجزة عن الركن الايماني المهم: "الآخرة". فأقول ملخصاً من رسائل النور:
كما اننا سألنا في "المسألة السادسة" الارض والسموات عن خالقنا سبحانه وتعالى فأجابتنا بلسان العلوم الحاضرة بما عرّفنا بخالقنا الكريم معرفة واضحة وضوح الشمس، فسنسأل كذلك اولاً: ربَّنا الذي عرفناه يقينا عن آخرتنا، ثم نسأل رسولنا الاعظم صلى الله عليه وسلم ثم قرآننا الكريم، ثم سائر الانبياء عليهم السلام والكتب المقدسة، ثم الملائكة، ثم الكائنات.



فها نحن اولاء في اولى المراتب.. نسأل الله سبحانه وتعالى عن "الآخرة" فيخاطبنا - جل وعلا - بجميع اوامره وبجميع رسله الكرام، وبجميع اسمائه الحسنى، وبجميع صفاته الجليلة، قائلا لنا: الآخرة لاريب فيها، وانتم مساقون اليها. وحيث ان "الكلمة العاشرة" قد اثبتت الآخرة باثنتي عشرة حقيقة قاطعة ناصعة، واوضحتها بدلالة قسم من الاسماء الحسنى؛ لذا نشير هنا - اشارة مختصرة - الى تلك الدلالات، مكتفين بذلك الايضاح.
نعم! انه ليس هناك سلطان عظيم دون ان يكون له ثواب للمطيعين وعقاب للعاصين. فلابد من ان السلطان السرمدي - وهو في علياء الربوبية المطلقة - له ثواب للمنتسبين اليه بالايمان والمستسلمين لأوامره بالطاعة، وعقاب للذين انكروا عظمته وعزته بالكفر والعصيان. ولابد من أن ذلك الثواب سيكون لائقا برحمته وجماله، وذلك العقاب سيكون ملائما لعزته وجلاله.
وبهذا يجيبنا اسم "السلطان الديّان" و "رب العالمين" عن سؤالنا حول الآخرة.
ثم اننا نرى باعيننا - رؤية واضحة وضوح الشمس - ان رحمة عامة ورأفة محيطة وكرما شاملا سابغا على وجه الارض؛ فما ان يحل الربيع الزاهي حتى ترى الرحمة تزيّن الاشجار والنباتات المثمرة، وتلبسها ثياباً خضراً كانها حور الجنة، وتسلّم الى ايديها انواعاً مختلفة من ثمار شتى، وتقدمها الينا قائلة: "هاكم كلوا وتفكهوا..." وتراها تطعمنا عسلا مصفى شافياً لذيذاً بأيدي حشرة سامة! وتلبسنا حريراً ناعما تنسجه حشرة بلا يد! وتدّخر في حفنة من بُذيرات وحبوب آلاف الاطنان من الغذاء وتحولها الى كنوز احتياطية لنا..


فالذي له هذه الرحمة الواسعة، وله هذه الرأفة العامة والكرم السابغ، لاريب أنه لن يُفني ولن يُعدم عباده المؤمنين المحبوبين لديه، اولئك الذين رباهم ومَنَّ عليهم، وكرّمهم الى هذه الدرجة من اللطف والرفق والعناية. بل سينهي وظيفتهم في الحياة الدنيا ليهيأهم لرحمات اوسع واعظم.
وبهذا يجيبنا اسم الله "الرحمن" و "الكريم" من الاسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة، قائلين لنا: "الجنة حق".

ثم اننا نرى ان وظائف المخلوقات تنسج على منوال الحكمة وتكال بميزان العدل. وهما من الدقة والحساسية لايتصور الانسان أفضل منهما.. فترى الحكمة الازلية قد وهبت للانسان قوة حافظة - كحبة الخردل حجما - وكتبت فيها تفاصيل حياته وما يمسه من احداث لا تعد، وكأنها مكتبة وثائقية مصغرة جداً، ووضعتها في زاوية من دماغه، لتذكره دوماً بيوم الحساب، يوم تنشر مافيها من صحائف الاعمال.
وترى العدالة المطلقة تضع كل عضو من الكائن الحي في موضعه اللائق به، وتنسقه بموازين دقيقة حساسة - ابتداء من ميكروب صغير الى كركدن ضخم، ومن نحل ضعيف الى نسر مهيب، ومن زهرة لطيفة الى ربيع زاهٍ بملايين من الازهار..



وتراها تمنح كل عضو تناسقا لاعبث فيه، وموازنة لانقص فيها، وانتظاماً لاترى فيه الا الابداع، كل ذلك ضمن جمال زاهر وحسن باهر حتى تغدو المخلوقات نماذج مجسمة للابداع والاتقان والجمال..


فضلا عن انها تهب لكل ذي حياة حق الحياة؛ فتيسر له سبل الحياة، وتنصب له موازين عدالة فائقة؛ فجزاء الحسنة حسنة مثلها، وجزاء السيئة سيـئة مثلها.. وفي الوقت نفسه تُشعر قوتها وسرمديتها، بما تنزل من عذاب مدمر على الطغاة والظالمين منذ عهد آدم عليه السلام.

فكما لاتكون الشمس دون نهار، فتلك الحكمة الازلية، وتلك العدالة السرمدية لن تتحققا تحققاً كلياً الا بحياة اخرى خالدة لذا لن ترضيا ابداً ولن تساعدا بحال من الاحوال على نهاية لاعدالة فيها ولاحكمة ولا احقاق حق، تلك هي الموت الذي لابعث بعده، والذي يتساوى فيه الظالمون العتاة مع المظلومين البائسين ! فلابد اذن ان تكون وراءه حياة اخرى خالدة كي تستكمل الحكمة والعدالة حقيقتهما.
وبهذا يجيبنا - اجابة قاطعة - اسم الله "الحكيم" و "الحكم" و "العدل" و "العادل" من الاسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة.



ثم اننا نرى ان كل كائن حي تُوفَّر له حاجاته التي ليس في طوقه الحصول عليها، وتستجاب جميع مطاليبه التي يسألها - بنوع من دعاء - سواء بلسان حاجاته الضرورية، او بلغة استعداداته الفطرية، وتسلّم اليه في أنسب وقت وافضله من لدن يد رحيم واسع الرحمة، وسميع مطلق السمع، ورؤوفٍ شامل الرأفة.. وتُستجاب ايضاً اغلب دعوات الانسان الارادية، ولاسيما دعوات الاصفياء من الناس، وبخاصة دعوات الانبياء عليهم السلام - التي تستجاب اغلبها استجابة خارقة للعادة - فتلك الاستجابات تفهمنا يقينا ان وراء الحجاب "سميع مجيب" يسمع آهات كل ذي مصيبة وأنات كل ذي داء، ويصغي الى دعاء كل محتاج، ويرى أدنى حاجة لأصغر مخلوق ويسمع أخفى أنين لأضعف كائن فيشمله برأفته ويسعفه فعلا فيرضيه..

فما دام الامر هكذا فان دعاءً للسعادة الاخروية والبقاء والخلود - وهو افضل دعاء واعمه ويمس جميع الكائنات ويرتبط بجميع الاسماء الحسنى وبجميع الصفات الجليلة - هذا الدعاء يسأله أفضل مخلوق - وهو الانسان - ويضمه ضمن ادعيته اعظم عبد واحبه الى الله، ذلك الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم، وهو امام الانبياء عليهم السلام الذين هم شموس البشرية وروادها فيؤمّنون على دعائه هذا بل يؤمّن على دعائه بصلواته عليه يوميا كلُ مؤمن من امته عدة مرات في الاقل بل تشترك جميع المخلوقات في دعائه قائلة: "استجب ياربنا دعاءه فنحن نتوسل بك ونتضرع اليك مثله".. فمثل هذا الدعاء الشامل للخلود والسعادة الابدية، من مثل هذا الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم وضمن هذه الشروط التي لاترد، لاشك مطلقاً انه وحده مبرّر كافٍ وسبب وافٍ لايجاد الجنة الخالدة وإحداث الاخرة من بين اسباب لاتعد ولاتحصى موجبة لايجادها. فضلا عن أن ايجادها سهل على قدرته سبحانه وهيّن عليها كايجاد الربيع وخلقه.
وهكذا يجيبنا اسم الله "المجيب" و "السميع" و "الرحيم" من الاسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة.
ثم ان ما في تبدل المواسم من مظاهر الموت ومشاهد البعث على الارض كافة يدل دلالة واضحة - كدلالة النهار على الشمس - على ان وراء الحجاب ربّا يدير الارض الهائلة في غاية الانتظام وفي منتهى السهولة - كادارة حديقة صغيرة بل كادارة شجرة واحدة وبانتظامها - ويدير الربيع الشاسع ويزينه بسهولة ادارة زهرة واحدة وبزينتها الموزونة، ويسطر على صحيفة الارض ثلاثمائة الفٍ من طوائف النباتات والحيوانات التي هي بمثابة ثلاثمائة الف نوع من كتب تعرض نماذج الحشر وامثلة النشور.


فهذا الرب القدير الذي يكتب هذه النماذج المتداخلة دون تحير ولا لبس، ودون سهو ولاخطأ وباتقان وانتظام وبمعان بليغة رغم تشابكها وتشابهها وتماثلها، يُظهر ضمن جلال العظمة قدرة فاعلة رحيمة حكيمة، فهو سبحانه يشمل الوجود برحمته وحكمته هذه فيهب للانسان مقاماً سامياً ويسخر له الكون الضخم ويجعله مسكناً ومهداً له، ثم ينصبه خليفة في الارض ويحمّله الامانة الكبرى التي اَبت السموات والارض والجبال ان يحملنها ويفضّله على سائر المخلوقات، ويشرّفه بكلامه الرباني وبخطابه السبحاني وبموالاته اياه، فضلا عن انه قد قطع على نفسه عهداً، ووعد هذا الانسان وعداً - في جميع كتبه المنزلة - انه سيخلّده بالسعادة الابدية والبقاء الاخروي.. فلاريب انه سيفتح له ابواب سعادة دائمة، وسيحدث الحشر والقيامة حتما وهو أهون عليه من الربيع نفسه.
وبهذا يجيبنا اسم الله "المحيي" و"المميت" و"الحي" و"القيوم" و"القدير" و"العليم" عن سؤالنا حول الآخرة.
حقا ان القدرة الإلهية التي تحيي اصول الاشجار والاعشاب كافة في كل ربيع وتوجد نماذج ثلاثمائة الف نوع من حشر ونشر في الحيوانات والنباتات كافة، بل تُظهر الف مثال للحشر والنشور والف دليل عليه في ألفي ربيع (1) عندما ينظر خيالا الى الف سنة من السنين التي قضاها كل من أمة محمد وموسى عليهما السلام وقوبلا معا ! فكيف يُستبعد بعثُ الاجساد والحشر الجسماني من هذه القدرة المطلقة ؟ أليس استبعاده عمى ما بعده عمى ؟


ثم ان مائة واربعة وعشرين الفاً من افضل بني آدم وهم الانبياء عليهم السلام، قد اعلنوا السعادة الابدية وخلود الآخرة، متفقين، مستندين الى آلاف الوعود والعهود التي قطعها الله سبحانه وتعالى على نفسه. واثبتوا صدقهم بمعجزاتهم الباهرة. وان ما لا يحصر له من الاولياء الصالحين يصدّقون الحقيقة نفسها بالكشف والذوق. فلابد من ان تلك الحقيقة ظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار فمَن شك فيها فقد حَرُم العقل:
لأن حكم متخصص واحد او اثنين في علم او مهنة في مسألة ضمن اختصاصه، يسقط من الاعتبار قيمة آراء وافكار ألف معارض غير متخصص في ذلك العلم او المهنة ولو كانوا أولي اختصاص في علوم اخرى. وان حكم اثنين من شهود الاثبات في مسألة يُرجَّح على آلافٍ من المنكرين او النافين للمسألة. كما هو في رؤية هلال رمضان في يوم الشك، او ادعاء وجود مزارع جوز الهند الشبيهة بعلب الحليب في الارض؛ ذلك لأن المثبت يكسب القضية بمجرد الاشارة اليها او ابراز جوز الهند او بيانه لمكانه.


اما النافي الذي ينكر وجوده فانه لايستطيع ان يثبت دعواه الا اذا جاس وجال في انحاء العالم كله وتحرى دعواه في الامكنة كلها. وهكذا الذي يخبر عن الجنة ودار السعادة والخلود فانه يثبتها ويكسب القضية بمجرد اظهاره أثراً من آثار الجنة، او امارة من أماراتها، او ظلا من ظلالها كشفا، في حين لايستطيع من ينفي وجودها وينكرها ان يجد لانكاره مجالا - مهما كدّ - الا اذا شاهد وأشهد الاخرين جميع الاكوان وجميع الازمان من الازل الى الابد، واظهر عدم وجودها واثبت نفيها!!

فلأجل هذه الحكمة ارتضى العلماء المحققون على قاعدة اساس هي: "لايمكن اثبات النفي غير المحدد مكانه - كالحقائق الايمانية الشاملة للكون قاطبة - مالم يكن الامر محالا بذاته".

فبناءً على هذه الحقيقة القاطعة ينبغي الاّ يجلب انكار آلاف الفلاسفة ومعارضتهم اية شبهة ولا وسوسة امام مخبر صادق في مثل هذه المسائل الايمانية.. فيا حماقة من يتلوث بشبهة - مهما كانت - في اركان الايمان بمجرد انكار قلة من فلاسفة ماديين تحدرت عقولهم الى عيونهم فلا يرون الا المادة بل ماتت قلوبهم فلا يشعرون بالمعنويات، بينما اتفق على تلك الاركان مائة وعشرون الفا من المثبتين اولي الاختصاص من الانبياء الصادقين عليهم السلام وممن لايحصون ولايعدون من المثبتين والمختصين من اهل الحقيقة الاولياء واصحاب التحقيق العلماء.

ثم اننا نشاهد سواء في انفسنا او فيما حولنا، رحمة عامة، وحكمة شاملة، وعناية دائمة ناشرة نورها كالنهار، ونرى كذلك آثار ربوبية مهيبة وانوار عدالة بصيرة، وتجليات اجراءات جليلة عزيزة، بل نرى "حكمة" تقلد الشجرة حكماً بعدد ازهارها واثمارها، ونرى "رحمة" تقيم على كل إنسان احساناً وعطايا بعدد حواسه وقواه واجهزته.


ونرى "عدالة" ذات عزة تهلك بسوط عذابها اقواما عصاة امثال قوم نوح وهود وصالح وقوم عاد وثمود وفرعون، وهي ذات عناية كذلك تحافظ على حقوق اصغر مخلوق واضعفه.

فالآية الكريمة الآتية تبين بايجاز معجز عظمة تلك الربوبية الجليلة وهيبتها المطلقة:
(ومن آياته أن تقوم السماءُ والارض بأمره ثمّ إذا دَعاكم دَعوةً من الارضِ اذا أنتم تخرجون) (الروم: 24).
اذ تبين ان السموات والارض تمتثلان الامر الإلهي كالجنود المرابطين والراقدين في معسكرين. فكما انهم يهرعون الى أخذ مواقعهم وتسلم اسلحتهم بدعوة من القائد وبنفخة من بوق، كذلك السموات والارض كمعسكرين حالما يُنادى بالاموات الراقدين فيهما بصور اسرافيل عليه السلام، اذا بهم يخرجون من الاجداث سراعاً لابسين ثياب الجسد.



بل نرى هذه العظمة والطاعة في كل ربيع اذ يُحشَر ما في معسكر الارض من جنود وينشَرون بنفخة من بوق مَلَك الرعد.. فبناء على التحقيقات السابقة، لابد ان تلك الرحمة والحكمة والعناية والعدالة والسلطنة السرمدية ستحقق ابعادها وغاياتها في دار اخرى، اي انها تقتضي الحشر بالضرورة، كما اثبتتها الكلمة العاشرة؛ اذ لاشك في مجئ الآخرة، بل ان عدم مجيئها محال في الف محال، حيث ان عدمها يعني: تبدل "الرحمة" التي هي في منتهى الجمال قسوة في منتهى البشاعة، ويعني: تحول كمال "الحكمة" الى نقص العبث القاصر وغاية الاسراف، ويعني: انقلاب "العناية" التي هي في منتهى الحسن واللطف الى اهانة في منتهى القبح والمرارة ويعني: تغير "العدالة" التي هي في منتهى الانصاف والحق الى ظلمات في اشد القسوة والبطلان، زد على ذلك فان عدم مجئ الآخرة يعني ايضاً سقوط هيبة السلطنة السرمدية العزيزة وبوار أبهتها وقوتها، ويعني اتهام كمال الربوبية بالعجز والقصور..

فكل هذا باطل ومحال لايقبله عقل أي انسان مهما كان، وهو الممتنع والخارج عن دائرة الامكان؛ لأن كل ذي شعور يعلم ان الله سبحانه قد خلق هذا الانسان في احسن تقويم، ورباه احسن تربية، وزوّده من الاجهزة والاعضاء - كالعقل والقلب - ما يتطلع به الى السعادة الابدية ويسوقه نحوها، ويدرك كذلك مدى الظلم والقسوة اذا ما انتهى مصير هذا الانسان المكرم الى العدم الابدي ! ويفهم كذلك مدى البُعد عن الحكمة في عدم البعث الذي يجعل جميع الاجهزة والقوى الفطرية - التي لها آلاف المصالح والفوائد - دون جدوى ودون قيمة !



في الوقت الذي اودع سبحانه مئات من الحِكَم والفوائد في دماغه فحسب !.. ويفهم كذلك مدى العجز الظاهر والجهل التام المنافيين كليا لعظمة تلك السلطنة وكمال الربوبية في عدم الايفاء بآلاف الوعود والعهود ؟ تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. قس على هذا كلا من "العناية" و "العدالة".

وهكذا يجيبنا اسم الله "الرحمن" و"الحكيم" و"العدل" و"الكريم" و"الحاكم" من الاسماء الحسنى بتلك الحقيقة المذكورة عن سؤالنا الذي سألناه حول الآخرة ويثبتها لنا اثباتا لاشبهة فيه بل واضحاً جلياً كوضوح الشمس وجلائها.

ثم اننا نرى "حفيظية" مهيبة محيطة بادية للعيان، تحكم على كل شئ حي، وتهيمن على كل حادث، تحفظ صوره الكثيرة، تسجِّّل اعمال وظيفته الفطرية، تدوّن تسبيحاته التي يؤديها - بلسان الحال - تجاه الاسماء الحسنى.. تدوّنها في لوحات مثالية، في بُذيراته ونوّياته، في قواه الحافظة - وهي نماذج مصغرة للّوح المحفوظ - ولاسيما في حافظة الانسان التي هي مكتبة عظمى مصغرة جداً موضوعة في دماغه، فتسجلها في سائر المرايا والمعاكس المادية والمعنوية.

وما ان يحل الربيع - تلك الزهرة المجسمة للقدرة الإلهية - حتى تبرز لنا الحفيظية تلك الكتابات المعنوية ظاهرةً مشهودة مجسمة.
وتعرض في تلك الزهرة العظمى حقيقة الحشر التي تتضمنها الآية الكريمة (واذا الصُحُفُ نُشرت) (التكوير: 10) وتعلنها بألسنة ملايين الملايين من الامثلة والدلائل، وتؤكد لنا يقيناً ان الاشياء جميعها - ولاسيما الاحياء - لم تُخلق لتنتهي الى الفناء، ولالتهوي الى العدم ولا لتمحى الى غير شئ - ولاسيما الانسان - بل خلقوا للمضي بسموهم الى البقاء، وللدخول بتزكية انفسهم الى عالم الحياة الخالدة، وللولوج بالاستعداد الفطري الى وظيفة سرمدية تنتظرهم في دار الخلود.










نعم ! ان كل شجر وجذر وكل حبّة ونواة من النباتات غير المحدودة التي ماتت في قيامة الخريف، ما ان يحين حشر الربيع الا ويتلو الآية الكريمة (واذا الصُحفُ نُشِرتْ) بلسانها الخاص ويفسر معنىً من معانيها، وذلك بقيام كل جزء من اجزائه بمثل الوظائف الفطرية التي قام بها في السنين السابقة، ويبيّن - في الوقت نفسه - عظمة الحفيظية في اوسع مداها كما تتضمنها الآية الكريمة (هُوَ الأولُ والآخرُ والظاهِرُ والبَاطِنُ) (الحديد: 3) وترشدنا الى اربع حقائق جليلة في كل شئ وتقيم الحجة الدامغة على حتمية الحشر كحتمية مجئ الربيع ويسره.

نعم ! ان انوار هذه الاسماء الحسنى الاربعة وتجلياتها تسري وتنفذ من اصغر جزئي الى اكبر كليّ.. ولنوضح هذا بمثال:

فالبذرة التي هي اصل الشجرة تبين عظمة الحفيظية بتعرضها لأنوار اسم الله "الاول" وذلك؛ بما تحوي من خطة الشجرة دقيقة كاملة، وبما تضم من اجهزة بديعة لايجادها ونشوئها كاملة غير منقوصة، وبما تشتمل عليه من شرائط تكوين الشجرة، رغم انها علبة صغيرة جدا.
والثمرة ايضا تشهد شهادة صادقة على تلك الحفيظية بتعرضها لأنوار اسم الله "الآخر" وذلك؛ بما تحوي من فهرس جميع الوظائف الفطرية لتلك الشجرة، وبما تضم من صحائف اعمالها، وبما تنطوي عليه من قوانين حياتها الثانية، علماً انها صندوق صغير جدا.





اما ظاهر الشجرة المجسم فانه يظهر عظمة القدرة وكمال الحكمة وجمال الرحمة ضمن الحفيظية المطلقة، ويبرزها للعيان مشهودة بتعرضها لأنوار اسم الله "الظاهر" وذلك؛ بحللها البهية المزدانة بالنقوش البديعة المتنوعة والاوسمة المرصعة، كأنها ثياب الحور العين الملونة بسبعين لونا.

اما الاجهزة الداخلية لتلك الشجرة التي اصبحت كأنها مرآة تعكس انوار اسم الله "الباطن" فهي ايضا تثبت - اثباتا ساطعا كالشمس - كمال القدرة والعدالة، وجمال الرحمة والحكمة، إذ إنها مصنع خارق كامل النظام، بل مختبر كيمياء عظيم، بل مستودع اعاشة وارزاق لايدع غصناً ولاثمراً ولاورقاً إلاّ ويزوده بالغذاء الذي يحتاجه.

وكما يظهر كلٌ من البذرة، والثمرة، وظاهر الشجرة، وباطنها، تجليات الاسماء الحسنى الاربعة (الاول والآخر والظاهر والباطن) فالكرة الارضية كذلك تظهرها، وتبين بداهة ان الحفيظ ذا الجلال والاكرام انما يعمل بقدرة وعدالة وحكمة ورحمة مطلقة؛ اذ انها - اي الكرة الارضية - كالشجرة من حيث تبدل المواسم السنوية، فجميع النوى والحبوب التي اودعت في الخريف - بتجلي اسم الله "الاول" - أمانةً الى الحفيظية، ترسِلُ ما لايعد من السيقان والاغصان، وتمدها الى شتى الجهات، وتَفتَح ما لايحصى من الازهار البهيجة والاثمار الطيبة، فتلبس الارض وشاح الربيع البهيج.. ذلك لأن كلا منها تضم كراسات مصغرة سُطّرت فيها الاوامر الربانية، وتبطن صحائف مصغّرة دوّن فيها ما انجز في السنة الماضية من اعمال، بل تستوعب تلك البذور والنوى جميع ما يعود الى تركّب شجرة الارض العظيمة.
أما آخر شجرة الارض السنوية فهو مايضعه في علب متناهية في الصغر من جميع الوظائف التي قامت بها الشجرة في الخريف، وجميع التسبيحات والاذكار الفطرية التي ادتها تجاه الاسماء الحسنى، وجميع مايمكن نشره في حشر الربيع المقبل من صحائف الاعمال، ويسلّم هذا جميعا الى يد الحكمة للحفيظ ذي الجلال تالياً بهذا اسم الله "الآخر" بألسنة لاحد لها على اسماع الكائنات وانظارها.





اما ظاهر هذه الشجرة فهو: تلك الازهار الكلية المتنوعة المتباينة التي تفصح عن ثلاثمائة الف نوع من امثلة الحشر واماراته، وهو تلك الموائد المنصوبة للرحمن الرحيم والرزاق الكريم، وهو تلك الضيافات المفتوحة لذوي الحياة كافة، فكل ما في ظاهر تلك الشجرة يذكر ويتلو اسم الله "الظاهر" بألسنة ثمراتها، وازهارها، وطعومها مُظهراً حقيقة (وإذا الصُحفُ نُشرت) ساطعة كالشمس في كبد السماء.


اما باطن هذه الشجرة العظيمة فهو معمل ومصنع يحرك مالايعد ولايحصى من مكائن منتظمة ومعامل دقيقة حتى انه يعدّ طنا من الاطعمة وينضجها من درهم من المواد وتوصله الى الجائعين، وينهض باعماله في منتهى الدقة بما لايدع مجالاً لتلعب به الصدفة، فيذكر الوجه الباطن للارض اسم الله "الباطن" بل يثبته ويعلنه بمائة الف من الانماط والصور كما يعلنه قسم من الملائكة الذين يسبّحون بمائة الف لسان.



وكما ان الارض من حيث حياتها السنوية كالشجرة، بينت "الحفيظية" التي في تلك الاسماء الحسنى الاربعة بوضوح، وجعلتها مفتاحاً لباب الحشر، فهي كذلك كالشجرة المتناسقة جداً من حيث حياة العصور وحياة الدهور، اذ ترسل ثمراتها - على مدى العصور والدهور - الى سوق الآخرة.
وهكذا تصبح الارض بأسرها مرآةً واسعة جدا لتجليات تلك الاسماء الاربعة، وتفتح سبيلاً واسعاً جداً الى الآخرة بحيث تظل عقولنا ولغاتنا قاصرة وعاجزة عن الاحاطة بها.




لذا نكتفي بالآتي ولا نزيد:

ان عقارب الساعة التي تعد الثواني والدقائق والساعات والايام تتشابه فيما بينها، فالواحد يدل على الآخر ويذكّره، فمن يراقب حركة عقرب الثواني يضطر الى تصديق حركة التروس الاخرى. كذلك الدنيا كساعة كبرى لخالق السموات والارض، حيث تتشابه الايام التي تعد ثواني هذه الساعة الكبرى، والسنوات التي تحصي دقائقها، والعصور التي تظهر ساعاتها، والاحقاب التي تعرف ايامها فمع تشابه بعضها مع البعض الآخر فإن كلا منها يدل على الآخر ويثبته.



ومن هذه الزاوية نرى الارض تخبر بامارات لاحدّ لها عن مجئ ربيع خالد وصبح سرمدي بعد شتاء الدنيا الفانية المظلم.. تخبر عنه بحتمية مجئ الصبح لهذا الليل وبقطعية مجئ الربيع بعد هذا الشتاء. وبهذه الحقيقة يجيبنا اسم "الحفيظ" مع الاسماء الحسنى الاربعة: (الاول والآخر والظاهر والباطن) عن سؤالنا الذي سألناه حول الحشر.

وما دمنا نرى باعيننا ونفقه بعقولنا، ان الانسان هو:
خاتمة ثمرات شجرة الكون واجمع مافيها من الصفات.. وهو بذرتها الاصلية من حيث الحقيقة المحمدية.. وهو الآية الكونية الكبرى لقرآن الكون.. بل هو الآية الحاملة لتجليات الاسم الاعظم في ذلك القرآن الكوني كآية الكرسي في القرآن الكريم.. وهو اكرم ضيف في قصر الكون.. وهو انشط موظف مأذون له بالتصرف في سكنة ذلك القصر.. وهو المأمور المكلف عن حرث مزرعة الارض والناظر المسؤول عن وارداتها ومصاريفها، بما جُهز من مئات العلوم والوف المؤهلات..

وهو خليفة الارض، والمفتش الباحث في مملكة الارض والمرسل من لدن سلطان الازل والابد والعامل تحت رقابته.. وهو المتصرف في شؤون الارض مع تسجيل كامل لأعماله بجزئياتها وكلياتها.. وهو عبد كليّ، مكلف بعبادة واسعة شاملة، والحامل للأمانة الكبرى التي أبت السموات والارض والجبال ان يحملنها، فانفرجت أمامه طريقان: احداهما للاشقياء، والاخرى للسعداء.. وهو الذي يعكس كالمرآة جميع تجليات الاسماء الحسنى ويتجلى فيه اسم الله الاعظم.. وهو المخاطب المقصود للخطاب السبحاني والاكثر فهماً للكلام الرباني.. وهو الاكثر فاقة وعجزاً من بين احياء الكون.. وهو الكائن الحي العاجز الفقير بلا حدود، مع أن له اعداء ومؤذيات بلا عد ومقاصد وآلاماً بلا حد.. وهو اغنى استعداداً من بين ذوي الحياة.. وهو اشد احساسا وشعوراً بالالم - ضمن لذة الحياة - حيث تمتزج لذاته بآلام منغّصة.. وهو أشد شوقاً الى البقاء واكثر حاجة الى الخلود، بل هو الأجدر به.. وهو الذي يتوسل لأجل البقاء والخلود بأدعية غير محدودة فلو اُعطي له ما في الدنيا من متع لما شفت غليله للخلود.. وهو الذي يحب الذي أنعم عليه حباً لحد العبادة، ويحببه للآخرين، وهو المحبوب ايضاً.. وهو اعظم معجزات القدرة الصمدانية بل هو اعجوبة الخلق لما انطوى فيه العالم الاكبر ولما تشهد جميع اجهزته بأنه مخلوق للسير قدما نحو الابدية والخلود.

فهذا الانسان الذي يرتبط بمثل هذه الحقائق العشرين الكلية باسم الله "الحق" والذي هو وثيق العلاقة باسم الله "الحفيظ" الذي لايعزب عنه شئ في السموات والارض، يرى ادنى حاجة لأصغر حيّ ويسمع نداء حاجته فيغيثه فيدوّن كتبتُه الكرام جميع اعمال هذا الانسان وافعاله المتعلقة بالكائنات.. فهذا الانسان - بحكم هذه الحقائق العشرين - لابد ان يكون له حشر ونشور، ولاريب انه سيكافأ - باسم الله الحق - على ما قدّم من خدمات واعمال، وسيجازى على ماقصّر فيها، ولاشبهة أنه سيساق الى المحاسبة والاستجواب عما دوّن من اعماله - باسم الحفيظ - جزئيها وكلّيها، ولاشك ان ستفتح امامه ابواب سعادة خالدة وضيافة ابدية، او ابواب سجون رهيبة وشقاء مقيم؛ وانه لايمكن الاّ يحاسب ويتوارى عن الانظار ضابط قاد اكثر مخلوقات هذا العالم وتدخّل في شؤونها، ولايمكن ألاّ ينبه من رقدته!
لانه لايعقل قط ان يُسمع دعاءٌ اخفت من طنين الذباب ويُغاث فعلا بلوازم الحياة، ثم لايُسمع أدعية لها من القوة ما يهز العرش والفرش والتي تنطلق من تلك الحقائق العشرين وتسأل البقاء والخلود. ولايعقل قط بل هو خارج عن الامكان أن تُهدر وتُضيّع كلياً تلك الحقوق الكثيرة، بل لايمكن لحكمة لاعبث فيها قط - ولو بمقدار جناح ذبابة بشهادة انتظامها واتقانها - أن تعبث كلياً باستعدادات الانسان المرتبطة بها تلك الحقائق، وتعبث بجميع آماله ورغباته الممتدة الى الخلود، وتعبث بجميع تلك الروابط وحقائق الكائنات العديدة التي تنمي تلك الاستعدادات والرغبات، لأن هذا الاحتمال ظلم فظيع وقبح مشين ترده جميع الموجودات وترفضه قائلة: ان ذلك محال في محال بمائة وجه وممتنع مستحيل بآلاف الوجوه.
بل تردّه جميع الموجودات الشاهدة على الاسماء الحسنى: "الحق" و "الحفيظ" و "الحكيم" و "الجميل" و "الرحيم".

وهكذا تجيبنا هذه الاسماء الحسنى "الحق" و"الحفيظ" و"الحكيم" و"الجميل" و"الرحيم"، عن سؤالنا حول الآخرة، فتخاطبنا تلك الاسماء قائلة: "ان الحشر حق لاريب فيه، وهو حقيقة راسخة لا مراء فيها، مثلما اننا حق ومثلما تشهد لنا حقيقة ثبوت الموجودات".

ولولا ان المسألة أوضح من الشمس لزدت بياناً، ولكني اختصرت مكتفياً بالامثلة المذكورة، وقياساً على ما في الفقرات السابقة؛ فان كل اسم من الاسماء الحسنى المائة بل الالف المتوجه الى الكون، يثبت مسمّاه سبحانه بداهة بتجلياته وبمراياه التي هي الموجودات، كما يظهر الحشر والدار الآخرة ويثبته اثباتاً قاطعاً.

ومثلما يجيبنا ربنا سبحانه وتعالى جواباً قدسياً وجازماً بجميع اوامره في جميع ما أنزل من كتب، وبجميع اسمائه التي سمّى بها نفسه، عن سؤالنا الذي سألناه، حول الآخرة، كذلك يجيبنا سبحانه بألسنة ملائكته ويعرّفنا الاخرة بنمط آخر، إذ تقول الملائكة:

"



هناك امارات ودلالات لاحدّ لها على وجودنا والعالم الروحاني، وقد جرت لقاءات ومكالمات وتعارف بينكم وبيننا وبين الروحانيين منذ زمن آدم عليه السلام، وهي حوادث يقينية متواترة لاتقبل الريب، ولقد ذكرنا ودوماً نذكر مانراه خلال تجوالنا في منازل الآخرة وصالاتها الى أنبيائكم اثناء لقائنا معهم: اننا نبشركم بشارة لاريب فيها من أن هذه الأروقة الدائمة وما وراءها من قصور خالدة ومنازل معدّة انما اعدّت لاستقبال ضيوف كرام مكرمين وهُيئت لقدومهم".
وبهذا يجيبنا الملائكة الكرام عن سؤالنا حول الآخرة.


ثم ان خالقنا الكريم قد عيّن لنا اعظم معلم.. وأكمل استاذ.. واصدق قدوة.. واقوم رائد.. ألا وهو محمد الهاشمي عليه افضل الصلاة والسلام. وقد ارسله خاتما للرسل الكرام عليهم السلام. فعلينا اذن - وقبل كل شئ - أن نسأل استاذنا ماسألناه من خالقنا عزّ وجل حول الآخرة لعلنا نتكامل في معرفتنا ونترقى من مرتبة علم اليقين الى عين اليقين والى حق اليقين، لان هذا النبي الحبيب الصادق المصدّق من لدن الخالق العليم بألف من المعجزات، مثلما انه معجزة القرآن الكريم، فاثبت للعالم اجمع، أنه كتاب رب العالمين لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد اصبح القرآن الكريم ايضاً معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم ودليلاً على انه الصادق المصدّق وانه رسول رب العالمين.

فكلتا المعجزتين - احداهما لسان عالم الشهادة ومعها تصديق جميع الانبياء عليهم السلام والاولياء، والاخرى لسان عالم الغيب المتضمن جميع الكتب السماوية وجميع حقائق الكون - قد اقامتا الحجج على حقيقة الحشر والنشور راسخة واضحة وضوح الشمس والنهار. بجميع حياة المعجزة الاولى وآلاف من آيات المعجزة الثانية.

حقاً ان مسألة الحشر والآخرة من المسائل التي هي فوق طاقة العقل وحدوده، ولاتفهم الا بتعليم هذين الاستاذين المعجزين "القرآن الكريم والرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم" وإرشادهما.


أما لِمَ لمْ يُوضح الانبياء السابقون عليهم السلام مسألة الحشر لأممهم كما هو واضح في القرآن الكريم ؟ فلأن عصورهم كانت عصور طفولة البشرية وبداوة الانسانية، والإيضاح يكون وجيزاً في الدروس الابتدائية كما هو معلوم.



وصفوة القول:

ما دام اكثر الاسماء الحسنى تقتضي الآخرة وتدل عليها، فلابد أن الحجج والدلائل الدالة على الاسماء الحسنى هي بدورها دلائل على ثبوت الاخرة وقيامها..

ومادام الملائكة يخبرون عما يشاهدون من منازل الاخرة وعالم البقاء فلابد ان الدلائل الشاهدة على وجود الملائكة والعالم الروحاني وعباداتهم هي بدورها دلائل اثبات على العالم الآخر..

ومادام أهم ما أعلنه محمد صلى الله عليه وسلم خلال حياته المطهرة المباركة، واساس ما دعا اليه - بعد التوحيد - هو الآخرة، فلابد ان جميع المعجزات والحجج الدالة على نبوته وصدقه صلى الله عليه وسلم هي بدورها شاهدة على حقيقة مجئ الآخرة..
وما دام ربع القرآن الكريم يبحث عن الحشر والآخرة، ويقيم الدلائل عليه بآلاف من آياته ويخبر عنه، فلابد ان الشواهد والحجج والدلائل والبراهين الدالة كلها على أحقية القرآن هي بدورها شاهدة على تحقق الآخرة ودالة عليها.



وهكذا تأملوا في هذا الركن الايماني العظيم لتقدروا مدى قطعية "الايمان بالاخرة" ومدى ثبوته ورسوخه.







_____________________
(1) ان كل ربيع يقبل هو بحكم حشر للربيع السابق الذي قامت قيامته وانتهت حياته.- المؤلف.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:22 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By World 4Arab